آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتمقالاتولنا كلمة
حماية السيادة الوطنية ليست شعارا ظرفيا، بقدر ماهي ممارسة مؤسسية واعية وشجاعة
حماية السيادة الوطنية ليست شعارا ظرفيا، بقدر ماهي ممارسة مؤسسية واعية وشجاعة

حماية السيادة الوطنية ليست شعارا ظرفيا، بقدر ماهي ممارسة مؤسسية واعية وشجاعة
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
تمثل الهجرة غير النظامية أحد أخطر التحديات البنيوية التي واجهت الدولة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، لما لها من انعكاسات مباشرة على الأمن العام، وسوق العمل، والتوازن الاجتماعي، وهي تحديات لم يكن بالإمكان التعامل معها بمنطق المعالجات الظرفية أو الحلول الترقيعية.
وفي هذا السياق، جاءت مقاربة الدولة الموريتانية لمكافحة الهجرة غير النظامية جزءا لا يتجزأ من مشروع سياسي إصلاحي أوسع، هدفه إعادة الاعتبار لهيبة الدولة، وترسيخ سيادتها القانونية، وإخراج البلاد من حالة الاختناق المؤسسي التي كادت تدفع بها إلى عنق الزجاجة.
ولقد أدركت السلطات العمومية أن استمرار الإقامة غير القانونية، وما يرافقها من نشاط اقتصادي خارج الضبط القانوني، يمثل مساسا مباشرا بوظيفة الدولة السيادية، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص، ويخلق بيئة خصبة للجريمة المنظمة والهشاشة الأمنية.
وانطلاقا من هذا الوعي، فقد تم التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، بمنظور يتجاوز كونه ظاهرة إنسانية معزولة عن محيطها الأمني والاقتصادي، إلى قضية سيادة وعدالة اجتماعية في آن واحد.
وتزداد وجاهة هذا التوجه إذا ما استحضر السياق الإقليمي والدولي شديد التعقيد الذي تحركت فيه الدولة الموريتانية، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة على الحدود الجنوبية الشرقية، حيث تتقاطع هشاشة بعض دول الجوار مع تمدد جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود، وتداخل غير منضبط بين الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب العابر للأوطان.
كما لا يمكن فصل هذا الملف عن الاضطرابات المزمنة في شبه المنطقة، وما تفرضه من ضغوط أمنية واستراتيجية على الدول ذات الموقع الجيوسياسي الحساس، وفي مقدمتها موريتانيا بوصفها حلقة وصل بين فضاءات الساحل الإفريقي والمغرب العربي والمحيط الأطلسي.
وفي هذا الإطار، ترافقت التحديات الميدانية مع توترات جيوسياسية متنامية، وأطماع لقوى دولية وغربية سعت، في أحيان كثيرة، إلى توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط سياسي وأداة ابتزاز سيادي، مدعومة بزخم إعلامي مكثف اتسم بالانتقائية والتضليل، وحاول اختزال سياسات الدولة الموريتانية في مقاربات أمنية صِرفة، متجاهلا أبعادها القانونية والتنموية والإنسانية.
غير أن إدارة هذا المشهد المعقد تطلبت قيادة تمتلك القدرة على الفصل بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التعاون الدولي، وبين حماية الأمن الوطني والانخراط المسؤول في المنظومة الدولية.
وفي ظل هذه البيئة الإقليمية المضطربة، تولى قطاع الداخلية واللامركزية تنفيذ هذه الرؤية عبر سياسة عمومية متكاملة، جمعت بين الصرامة القانونية والانضباط المؤسسي، وبين مراعاة الأبعاد الإنسانية واحترام التزامات الدولة الدولية.
وقد برز وزير الداخلية الحالي، محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد أحويرثي، بوصفه رجل دولة بالمعنى الكامل، وجنديا مخلصا لا يساوم في مصلحة الوطن ولا في سيادته، فأدار هذا الملف بحنكة سياسية عالية، وصرامة قانونية محسوبة، ووطنية واعية بتوازنات الداخل وحساسية الخارج، فقاد الملف بعقل الدولة لا بعاطفة الظرف، وبمنطق الاستمرارية لا بمنطق ردود الأفعال، محافظا على القرار السيادي دون انزلاق إلى العزلة أو الارتهان، ودون التفريط في الثوابت أو الانجرار خلف حملات إعلامية عابرة.
وقد شملت الإجراءات المتخذة تصحيح أوضاع المقيمين غير النظاميين، واشتراط الإقامة القانونية المستوفية للشروط، واعتماد التسجيل البيومتري كآلية حديثة لضبط الوجود الأجنبي، إضافة إلى محاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز التنسيق الأمني والإداري على المستويين الوطني والحدودي.
وقد نفذت هذه الإجراءات بصورة متدرجة سلسة ومنظمة، بما ضمن فعاليتها من جهة، وحال دون أي ارتدادات اجتماعية أو إنسانية من جهة أخرى، مجسدة نموذجا لما يسميه علم السياسة بـ”الأمن السيادي المرن” القائم على الردع القانوني، والوقاية الأمنية، وإدارة المخاطر بدل الاكتفاء بردود الفعل.
وأسفرت هذه السياسة عن نتائج ملموسة على المستوى الأمني، حيث سجل انخفاض في معدلات الجريمة قدر بنحو 90%، وهو ما انعكس مباشرة على الإحساس العام بالأمن والسكينة، وأعاد الطمأنينة إلى الفضاء العام، وتنفس المواطن الموريتاني الصعداء بعد سنوات من القلق والضغط الناتج عن انفلات غير منظم في بعض الأنشطة والمجالات الحضرية.
وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، أسهمت هذه المقاربة في إعادة التوازن إلى سوق العمل، وفتحت آفاقا حقيقية أمام الشباب الموريتاني للولوج إلى فرص الشغل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بعد أن ظل لسنوات يواجه منافسة غير شريفة من قبل عمالة أجنبية تقيم وتعمل خارج الإطار القانوني.
وقد شكلت هذه المنافسة أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت أعدادا معتبرة من الشباب إلى التفكير في الهجرة، نتيجة الإحباط وانسداد الأفق وتراجع الثقة في جدوى الاستثمار والعمل داخل الوطن.
ومن المفارقات الإيجابية التي رافقت هذا المسار، أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة الموريتانية في مجال تنظيم الإقامة ومكافحة الهجرة غير النظامية لقيت إشادة واسعة من طرف رؤساء الجاليات المقيمة في موريتانيا، حيث عبروا عن ارتياحهم للوضوح القانوني والتنظيم الإداري الجديد، الذي وفر لأفراد جالياتهم إطارا قانونيا واضحا وآمنا للعمل والاستثمار، وحمى حقوقهم، وقطع للحالة الضبابية والاستغلالية التي كانت سائدة سابقا.
إن هذه التجربة تؤكد أن الحزم حين يقترن بالحكمة، وأن تطبيق القانون حين يتم بعدالة وتجرد، يصبحان عامل استقرار وتنمية لا مصدر توتر أو إقصاء.
كما تثبت أن الدولة الموريتانية، من خلال هذا المسار، لم تكن تستهدف أشخاصا أو جنسيات بعينها، بقدر ما كانت تسعى إلى إعادة تنظيم الفضاء الوطني على أساس القانون والسيادة وتكافؤ الفرص.
ويمكن القول، في الخلاصة، إن مقاربة مكافحة الهجرة غير النظامية شكلت إحدى الركائز الأساسية للمشروع السياسي الذي أعاد للدولة توازنها، وعزز أمنها الداخلي، ورفع قدرتها على إدارة حدودها في محيط إقليمي مضطرب، وفتح آفاقا جديدة أمام شبابها، وهو مسار أُنجز بكفاءة ومسؤولية من طرف وزارة الداخلية، تحت قيادة وزير جسد في أدائه معنى رجل الدولة، وأثبت أن حماية السيادة الوطنية ليست شعارا ظرفيا، بقدر ماهي ممارسة مؤسسية واعية وشجاعة.
-سيدي عثمان ولد صيكه





