آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتمقالاتولنا كلمة

بيرام والإرث الإنساني: حين يتحوّل التاريخ إلى منصة انتخابية

بيرام والإرث الإنساني: حين يتحوّل التاريخ إلى منصة انتخابية

 

بيرام والإرث الإنساني: حين يتحوّل التاريخ إلى منصة انتخابية

اليوم السابع الموريتاني في كل مرة تفتح فيها موريتانيا نقاشاً هادئاً حول إرثها الإنساني — بما فيه من ذاكرة، وألم، وتناقضات، وتجارب مشتركة — يطلّ بيرام الداه اعبيد مثل مخرج سينمائي وجد أخيراً “المشهد المناسب” ليقف في وسط الضوء.
فالرجل يعرف جيداً أن الإرث الإنساني قضية نبيلة، وأنّ العواطف الجماعية فيها جارفة، ولذلك لا يتردد في تحويلها إلى موجة سياسية جاهزة للركوب، حتى لو قلب ذلك الموازين وأخلط التاريخ بالحسابات الانتخابية.

التاريخ عند بيرام… معلوم في البداية، مجهول في النهاية

يقدّم بيرام نفسه كأنّه الحارس الوحيد للذاكرة، والشاهد الوحيد على الظلم، والناطق الرسمي باسم كل ما هو إنساني في البلد.
لكن ما إن يبدأ الحديث حتى يتلاشى الموضوع الأساسي، وتتحوّل القضية إلى مرآة يعكس فيها صورته هو فقط.
تختفي التعقيدات التاريخية، تتبخر الشهادات المتنوعة، ويتحوّل الإرث الإنساني — وهو ملف واسع يخص مجتمعاً بأكمله — إلى قصة قصيرة جداً: بطل واحد وظلّ كبير يلاحقه.

التاريخ لا يُختزل في شخص، ولا في خطاب مشحون، ولا في سباق شعبيات.

منصة شعبوية… لا مشروع مصالحة

المفارقة أن الموضوع الذي يحتاج إلى أوسع درجة من الحكمة والانفتاح يُدار عند بيرام بأضيق قاموس سياسي ممكن:
إما معه، وإما ضد العدالة.
إما صوته، أو صمت الآخرين.

وهذه الشعبوية لا تخدم الملف، بل تخدم صاحبها.
فالإرث الإنساني الذي يحتاج إلى مصالحة وطنية جادة، ولجان مختصة، واشتغال أكاديمي وقانوني، يتحوّل في خطابه إلى مطرقة إعلامية تُضرب بها الخصوم، وتُستدرّ بها التعاطفات، وتُصنع بها معارك مجانية.

هروب إلى الأمام من كل نقاش معمّق

حين يتحدث الباحثون والمؤرخون والحقوقيون عن تفاصيل هذا الإرث، يقدمون وثائق، شهادات، مسارات، سياقات.
أما بيرام فيفضّل دائماً القفز فوق التفاصيل نحو عناوين كبيرة، وصور درامية، وتصريحات تلتهب سريعاً وتبرد سريعاً، لكنها تترك خلفها فوضى في النقاش العام.

وهكذا، يصبح الإرث الإنساني — الذي يفترض أن يكون جسراً بين مكوّنات البلد — مجرد وقود سياسي يُشعل به كلما احتاج لتوتير الأجواء أو تحريك جمهوره.

إرث بلد… لا إرث زعيم

أخطر ما في أسلوب بيرام أنّه يقدّم هذا الملف كأنه ملكيته الخاصة.
يحتكره خطابياً، يفسّره منفرداً، ويتصرف كأنه الوصيّ الرسمي على آلام أجيال كاملة.

لكنّ الحقيقة بسيطة:
هذا إرث مجتمع بأكمله، ليس ملكاً لزعيم سياسي، ولا لغاضب  ولا لمن يجيد رفع الصوت أكثر من بناء الحلول.

الإرث الإنساني لا يمكن أن يُدار من خلال خطاب هجومي، ولا عبر استثمار لحظيّ، ولا بواسطة تحويل معاناة تاريخية إلى سلم للصعود السياسي.

خلاصة لاذعة… لكنها ضرورية

يمكن لبيرام أن يكون صوتاً من الأصوات، وربما لاعباً مؤثراً في النقاش العام.
لكن تحويل الإرث الإنساني إلى أداة ضغط أو منصة سياسية ليس شجاعة، بل استغلال لمساحات الألم الجماعي.
والبلد الذي يريد مواجهة ماضيه بشجاعة يحتاج إلى هدوء، وعدالة، ومقاربات علمية، لا إلى موجات يُصدرها كل من يقف على ساحل السياسة ويبحث عن فرصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى