آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةسجالاتغير مصنف

حين يتحول الذهب إلى خوف صامت في شمال موريتانيا

حين يتحول الذهب إلى خوف صامت في شمال موريتانيا

حين يتحول الذهب إلى خوف صامت في شمال موريتانيا
بقلم : سيدي محمد الطالب ابراهيم

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني 

لم يعد الحديث في شمال موريتانيا يدور فقط حول الذهب، ولا حول ما تدرّه المناجم والأسواق المرتبطة بها من أموال وفرص ومضاربات. هناك حديث آخر بدأ يفرض نفسه بهدوء ثقيل، حديث لا تصنعه البيانات الرسمية ولا تلتقطه الأرقام السريعة، بل تصنعه ملامح الرعاة، وقلق العمال، وصمت القرى المتناثرة بين تيرس وإنشيري وتيجيريت وتازيازت.
شيئًا ما تغيّر.
الأرض التي عرفها الناس لعقود طويلة لم تعد كما كانت. لم يعد الخوف من الجفاف وحده، ولا من قسوة الصحراء التي تعلّم أهلها التعايش معها منذ قرون، بل من أشياء لا تُرى بالعين بسهولة، لكنها تتسلل ببطء إلى الماء والتراب والهواء.
الزئبق والسيانيد.
مادتان تُستعملان في استخراج الذهب، لكن أثرهما لا ينتهي بانتهاء عملية الطحن أو الغسل. المشكلة ليست في الأسماء الكيميائية بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُستعمل بها، وفي البيئات الهشة التي تُلقى فيها مخلفاتها دون رقابة صارمة تليق بخطورة ما يُتداول.
في الشامي وازويرات، تدور آلات طحن الحجارة ليل نهار، وسط غبار كثيف يلتصق بكل شيء. العمال الذين يشتغلون قرب هذه الآلات لا يملكون في الغالب وسائل حماية حقيقية، ولا يخضعون لمتابعة صحية منتظمة، وكثير منهم دخل هذا المجال مدفوعًا بالحاجة، لا بالخبرة ولا بالوعي بخطورة المواد التي يتعامل معها.
ومع مرور الوقت، بدأت الأسئلة تكبر.
أمراض غامضة، إنهاك دائم، حالات تتدهور بصمت، وأحاديث متزايدة عن إصابات خطيرة لا يجد أصحابها القدرة على العلاج المبكر ولا حتى تفسير ما يحدث لهم. الناس هناك لا يتحدثون بلغة المختبرات والتقارير العلمية، بل بلغة أبسط وأكثر قسوة : “الجو تغيّر”، “الماء لم يعد مطمئنًا”، “الأرض لم تعد كما كانت”.
وهذه الجملة الأخيرة ربما تختصر كل شيء.
فالمشكلة لم تعد محصورة في مواقع التنقيب فقط. ما يُسكب في الأرض لا يبقى مكانه إلى الأبد. الأمطار النادرة، حين تأتي، تحمل معها بقايا المواد المترسبة، والتربة تتشبع، والمياه الجوفية تصبح مع الوقت أكثر عرضة للخطر.
وهنا يكمن مكمن القلق الحقيقي.
فالمياه العذبة في مناطق تيجيريت وإنشيري ليست موردًا عاديًا يمكن تعويضه بسهولة، بل هي شريان حياة حقيقي للإنسان والحيوان معًا. أي ضرر يصيب هذه المخزونات المائية لن تكون نتائجه مؤقتة، بل قد تمتد لأجيال.
الراعي البسيط ربما لا يملك تفسيرًا علميًا لما يراه، لكنه يلاحظ التغيرات بعين الخبرة الطويلة. الجمل يتوقف أحيانًا، يشم الأرض، يغير اتجاهه، أما الغنم فتواصل السير دون إدراك للخطر.
وحين يبدأ الشك في الماء والمرعى، فذلك يعني أن العلاقة القديمة بين الإنسان وأرضه بدأت تهتز.
ولعل ما يزيد المخاوف تعقيدًا هو قرب مدينة الشامي من الساحل. فكل اختلال بيئي في تلك المناطق قد يمتد أثره بشكل غير مباشر إلى المجال البحري والثروة السمكية التي تمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد الوطني. لهذا لم يعد مقبولًا التعامل مع هذه المسائل وكأنها شأن محلي محدود التأثير.
ثمّة مسؤوليات لا يمكن القفز عليها.
فحين تعمل شركات كبرى مثل “كينروس” أو الشركة الموريتانية للنحاس بأكجوجت داخل بيئات شديدة الحساسية، فإن المطلوب لا يقتصر على استخراج المعادن وتحقيق الأرباح، بل يتجاوز ذلك إلى حماية المجال الحيوي المحيط بالإنسان والحيوان والماء.
والسؤال الذي يتردد اليوم بإلحاح في أوساط كثيرة بسيط في ظاهره، لكنه عميق في معناه : أين هو الأثر الصحي الحقيقي لهذه الثروات على المناطق التي تُستخرج منها؟
أين المستشفيات المتخصصة؟
أين مراكز علاج الأمراض المرتبطة بالتلوث والمعادن الثقيلة؟
أين الاستثمار الجاد في صحة الناس الذين يعيشون في قلب هذه المناطق؟
فمن غير المنطقي أن تتحول مناطق الإنتاج إلى فضاءات هشّة صحيًا، بينما تُنقل الثروات بعيدًا عنها.
لقد سبق أن تناولتُ في مقال سابق خطورة الحفر العشوائية التي خلّفها المنقبون التقليديون، وما سببته من تهديد مباشر للمراعي وللقطعان، خاصة الإبل والأغنام. واليوم، يبدو أن المسألة تجاوزت الحفر والمظاهر السطحية إلى ما هو أخطر وأعمق : تلوث بطيء قد يعيد تشكيل البيئة كلها إذا استمرت الأمور بهذا القدر من التراخي.
الدولة هنا ليست مطالبة بالخطابات، بل بالفعل.
مطلوب رقابة حقيقية لا شكلية.
مطلوب تنظيم صارم لا مجاملات فيه.
مطلوب منع الاستخدام العشوائي للزئبق والسيانيد.
ومطلوب قبل كل شيء بناء ثقة الناس في أن صحتهم وبيئتهم ليستا أقل قيمة من الذهب المستخرج من أرضهم.
لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تستخرجه من ثروات، بل أيضًا بقدرتها على حماية الإنسان والمكان من آثار تلك الثروات.
فالذهب الذي يتحول إلى مصدر خوف، يفقد جزءًا كبيرًا من معناه.
والأرض التي يبدأ أهلها في الشك بمائها وهوائها ومرعاها، تكون قد دخلت مرحلة خطيرة، حتى وإن بدا كل شيء في الظاهر طبيعيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى