آراءأخبار دوليةأخبار وطنيةمقالاتولنا كلمة
الضربة التي لم تقع: حين انتصر الحساب البارد على منطق النار
الضربة التي لم تقع: حين انتصر الحساب البارد على منطق النار

الضربة التي لم تقع: حين انتصر الحساب البارد على منطق النار
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
في لحظةٍ بدت للكثيرين متناقضة مع الصورة النمطية لرجلٍ لا يتردّد في رفع السقف، أوقف دونالد ترامب ضربةً عسكرية كانت على وشك أن تُنفَّذ ضد إيران. قرارٌ صدر في اللحظة الأخيرة، لا على إيقاع الصواريخ، بل على إيقاع الحسابات الباردة، حيث السياسة حينها كانت أبلغ من البارود، والتراجع لم يكن ضعفًا بقدر ما كان قراءةً أخرى للمشهد.
لم تكن الحادثة – إسقاط طائرة مسيّرة أمريكية – مجرد واقعة عسكرية معزولة، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لفلسفة القوة التي تبنّاها ترامب طوال رئاسته. فالرجل الذي بنى خطابه على الحزم، ووقّع انسحابًا صاخبًا من الاتفاق النووي، وجد نفسه أمام مفترق طرق: ضربة محدودة قد تتدحرج إلى حرب مفتوحة، أو تراجع محسوب يحفظ اليد العليا دون الانزلاق إلى المجهول.
في كواليس القرار، ظهرت لغة الأرقام. تقارير البنتاغون قدّرت سقوط نحو 150 قتيلًا في حال تنفيذ الضربة. رقمٌ صغير في حسابات الحرب التقليدية، لكنه رقم كبير في حسابات رئيسٍ كان يستعد لانتخابات، ويريد أن يُقنع ناخبيه بأنه مختلف عن أسلافه، وأنه لم يأتِ ليضيف حربًا جديدة إلى سجلّ الشرق الأوسط المثقل بالدم والنار. هنا، تحوّل “الضرب أو عدم الضرب” إلى سؤال أخلاقي – أو هكذا قُدّم للرأي العام – لكنه في العمق سؤال سياسي بامتياز.
ثمّة بُعد آخر لا يقلّ أهمية: إيران ليست هدفًا معزولًا. ضربة واحدة كانت كفيلة بفتح أبواب الخليج على احتمالات لا تُحصى؛ من استهداف القواعد الأمريكية، إلى تهديد الملاحة الدولية، وصولًا إلى اهتزاز أسواق النفط. أيّ خطأ في التقدير كان سيحوّل “الرد المحدود” إلى حرب استنزاف، لا يعرف أحد أين تبدأ ولا كيف تنتهي. وترامب، رغم اندفاعه الخطابي، كان يفضّل أن يبقى سيد الإيقاع لا أسير اللحظة.
الدبلوماسية، وإن بدت صامتة، كانت حاضرة. ضغوط الحلفاء، وتحذيرات العواصم الكبرى، لعبت دورها في تليين القرار. فالعالم، الذي أنهكته الحروب، لم يكن مستعدًا لمغامرة جديدة تُدار من زرّ أحمر. وهنا، اختار ترامب سلاحًا آخر: العقوبات. سلاحٌ بطيء، لكنه مؤلم، ويمنح واشنطن شعور السيطرة دون كلفة الدم المباشر.
في النهاية، لم يكن إيقاف الضربة تعبيرًا عن تراجع مطلق، بل كان انتقالًا من منطق الصدمة العسكرية إلى منطق الخنق الاقتصادي. رسالة مزدوجة: “نستطيع الضرب، لكننا نختار ألا نفعل… الآن”. وهي رسالة تركت الباب مواربًا، لا للسلام، بل للمساومة، في منطقةٍ اعتادت أن تعيش على حافة الانفجار.
وهكذا، سجّل ترامب لحظةً نادرة في تاريخه السياسي: لحظة تراجعٍ محسوب، قد يراها أنصاره حكمة، ويصفها خصومه ترددًا، لكنها في كل الأحوال كشفت أن القرار في واشنطن لا يُصنع دائمًا تحت هدير الطائرات، بل أحيانًا في صمت الأرقام، وخوف السيناريوهات، وثقل ما بعد الضربة.




