ودان، في مهرجانها، تُشبه كتابًا قديمًا يُعاد فتحه كل اربع سنوات
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
في ودان، حيث تتعانق الرمال مع ذاكرة الحجر، ينهض مهرجان المدن القديمة كأنه استدعاءٌ لزمنٍ لم يغادرنا تمامًا. هنا، في مدائن التراث، لا يُحتفل بالماضي كأثرٍ جامد، بل يُستعاد كروحٍ حيّة، تتنفس في وجوه الناس، في أصوات المدّاحين، وفي خطوات الأطفال الذين يركضون بين أطلالٍ تروي قصص الأجداد.
. فالمهرجان ليس ترفًا ثقافيًا، بل محاولة لإعادة كتابة علاقة الإنسان الموريتاني بذاكرته الجمعية. هنا، تتحول الساحة إلى مسرحٍ للهوية، حيث تُعرض الحكايات على شكل رقصات، وتُقرأ المخطوطات كأنها وثائق حياة، لا أوراق صفراء.
ودان، في مهرجانها، تُشبه كتابًا قديمًا يُعاد فتحه كل ابع سنوات صفحاتُه ليست مكتوبة بالحبر وحده، بل بالعرق الذي سال في طرق القوافل، وبالدمع الذي ذرفه الرحّالة عند الفراق، وبالفرح الذي غمر التجار حين وصلوا إلى أسواقها. إنّها مدائن التراث، حيث الماضي ليس ماضياً، بل حاضرٌ يتجدد في كل لحظة.
ولعلّ أهم ما يميز هذا المهرجان أنّه يضعنا أمام سؤالٍ وجودي: هل نحن أبناء هذا التراث، أم نحن مجرّد عابري سبيلٍ في مدنه؟ سؤالٌ يفتح بابًا للتأمل، ويجعل من ودان مرآةً نرى فيها أنفسنا، لا كما نحن فقط، بل كما كنّا، وكما نريد أن نكون.
بهذا المعنى، يصبح مهرجان المدن القديمة أكثر من احتفالٍ فولكلوري؛ إنّه فعل مقاومة للنسيان، وإعلانٌ بأنّ الذاكرة ليست مجرد ماضٍ يُحفظ، بل مستقبلٌ يُبنى على أساسه.
زر الذهاب إلى الأعلى