المنصب الذي لا يشيخ
قراءة في هوس السياسة بالمكانة في موريتانيا
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
في موريتانيا، لا ينتهي المنصب بانتهاء المرسوم، ولا يُغلق باب الوجاهة بخروج المسؤول من القصر. فثمة ظاهرة متجذّرة في الثقافة السياسية المحلية، قوامها أن السياسي يظلّ سياسيًا حتى وهو خارج اللعبة، وأن المنصب – مهما كان عابرًا – يتحوّل إلى هوية دائمة، تُلبس كما يُلبس الثوب، وتُحمل كما يُحمل اللقب.
في بلدان أخرى، يُغادر المسؤول مكتبه فيغادر معه الضوء، وتبدأ مرحلة جديدة من الحياة: كتابة المذكرات، العمل الأكاديمي، أو حتى العزلة الهادئة. أما في موريتانيا، فالتقاعد لا يعني الانسحاب، بل غالبًا ما يكون انتقالًا من سلطة القرار إلى سلطة الإيحاء، ومن التوقيع إلى الإشارة، ومن الفعل المباشر إلى “الحضور الرمزي”.
السياسي المتقاعد هنا لا ينسحب من المشهد، بل يعيد تموضعه داخله. يحتفظ بلغته الخشبية، وبدلته الرسمية، ومفردات “الدولة”، وكأن الزمن توقّف عند آخر منصب شغله. تراه في المناسبات العامة، في الأعراس والعزاءات، في الندوات والموائد، يتقدّم الصفوف، ويُقدَّم بصفته السابقة لا الحالية، وكأن الماضي وحده كافٍ ليمنحه شرعية دائمة.
السبب الأول لذلك يعود إلى طبيعة الدولة نفسها، حيث لم تترسخ بعد ثقافة التداول الرمزي للسلطة. فالمنصب في الوعي الجمعي ليس وظيفة مؤقتة، بل “مكانة اجتماعية” تُلازم صاحبها حتى الممات. ومن يتخلّى عنها طواعية، كأنه يتنازل عن جزء من اعتباره الاجتماعي، وهذا ما لا يطيقه كثيرون.
ثمّة أيضًا عامل آخر أكثر عمقًا: هشاشة الفضاء المدني. في غياب مؤسسات مجتمع مدني قوية تستوعب السياسي بعد خروجه من السلطة، يبقى المنصب هو الملاذ الوحيد للاعتراف والوجود. فلا جامعات تحتضنه كمفكّر، ولا مراكز بحث تستثمر خبرته، ولا أحزاب تجدد دماءها بصدق. وهكذا، يبقى “اللقب” هو رأس المال الوحيد المتبقي.
ولا يمكن إغفال البعد النفسي؛ فالسلطة في موريتانيا ليست مجرد إدارة، بل هي شعور بالهيبة والقدرة على التأثير. وعندما يذوقها المرء، يصعب عليه الفطام. لذلك نرى سياسيين متقاعدين يحرصون على الظهور في كل مناسبة، يعلّقون على كل حدث، ويحرصون على أن تُسبق أسماؤهم بألقابهم السابقة، كأنهم يخشون أن يبتلعهم النسيان.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يُربك المجال العام، ويُعقّد عملية التجديد السياسي. فحين يحتكر “القدامى” المشهد، تُغلق الأبواب أمام الأجيال الجديدة، ويُعاد إنتاج نفس الوجوه، بنفس الخطاب، وبنفس الأخطاء. وهنا تتحول السياسة من فعل متجدد إلى طقس مكرر، ومن مشروع للمستقبل إلى حنين دائم للماضي.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم المسؤولية. فالدولة التي لا تُكرّس ثقافة التقاعد الكريم، ولا تفصل بوضوح بين المنصب والشخص، ولا تبني تقاليد سياسية صحية، تساهم ضمنيًا في استمرار هذه الظاهرة.
ربما آن الأوان لأن نطرح سؤالًا بسيطًا لكنه جوهري: هل المنصب خدمة مؤقتة أم هوية أبدية؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت السياسة في موريتانيا ستظل مسرحًا للوجوه ذاتها، أم فضاءً مفتوحًا للتجدد والتداول.
وفي النهاية، ليس العيب أن يخدم الإنسان بلاده، بل أن يظل أسير خدمته لها، غير قادر على مغادرتها بكرامة، أو السماح لغيره أن يبدأ من حيث انتهى هو.