آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتمقالاتولنا كلمة

حوار الشيوخ كيف تعاد شرعنة الدولة العميقة

حوار الشيوخ كيف تعاد شرعنة الدولة العميقة

حوار الشيوخ كيف تعاد شرعنة الدولة العميقة 

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني 

الحوار… حين لا يتقاعد الشيوخ وتعاد  شرعنة الدولة العميقة
ليس الحوار، في ذاته، مشكلة. بل إنّ الأوطان التي تخشى الحوار هي أوطان خائفة من نفسها. غير أنّ المعضلة تبدأ حين يتحوّل الحوار من أداة لتجديد العقد السياسي، إلى آلية لإعادة تدوير الوجوه نفسها، والأفكار نفسها، والعلاقات نفسها التي أوصلت الدولة إلى مأزقها الراهن.
في كل مرة يُعلن فيها عن “حوار وطني”، تتقدّم الصفوف ذاتها: شيوخ السياسة الذين لا يعرفون التقاعد، نخب أنهكها الزمن ولم يُنهك نفوذها، وأصوات خبرت دهاليز السلطة أكثر مما خبرت نبض المجتمع. حوار بلا شباب، أو بشبابٍ مُؤطّر ومُدجّن، وبلا قطيعة فكرية حقيقية مع منطق الوصاية السياسية.
هنا لا يعود الحوار مساحة للاختلاف، بل يتحوّل إلى طقس سياسي مألوف، أقرب إلى جلسة تأكيد متبادل بين أطراف تعرف النتائج قبل أن تبدأ النقاشات. يُرفع شعار “التوافق”، لكن التوافق المقصود ليس توافق المجتمع، بل توافق النخبة على استمرار الترتيبات نفسها مع بعض الرتوش الشكلية.
الأخطر من ذلك، أنّ هذا النمط من الحوار يساهم، بوعي أو بدونه، في ترسيخ ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”. فالدولة العميقة لا تُبنى فقط بالأجهزة والبيروقراطية، بل تُغذّى أيضًا بالخطاب، وباحتكار التمثيل، وبإقصاء كل من يهدد توازناتها غير المعلنة. وحين يُستبعد الجديد بحجة “الخبرة”، ويُقدَّم القديم باعتباره “الضمانة”، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للأزمة لا معالجتها.
الدولة التي تريد مستقبلًا مختلفًا، لا يمكن أن تُديره بعقول الأمس وحدها. ولا يمكن أن تطلب من المجتمع أن يثق في حوارٍ لا يرى فيه نفسه، ولا لغته، ولا همومه اليومية. فالحوار الحقيقي لا يبدأ من القاعة، بل من الاعتراف بأنّ زمن الوصاية السياسية انتهى، وأنّ الشرعية لا تُستمد من العمر السياسي، بل من القدرة على الفهم والتجديد.
إنّ أخطر ما في هذه الحوارات ليس فشلها، بل نجاحها الشكلي. نجاح يُنتج وثائق، وتوصيات، وصورًا تذكارية، لكنه يُبقي جوهر الدولة كما هو: نخبة مغلقة، تداول محدود، ودولة عميقة أكثر رسوخًا من أي وقت مضى.
والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية:
هل نريد حوارًا يُرضي الشيوخ… أم حوارًا يُنقذ الدولة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى