آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتمقالاتولنا كلمة

“هويتي موريتانيا”: حين تتحوّل الدولة إلى واجهة رقمية

“هويتي موريتانيا”: حين تتحوّل الدولة إلى واجهة رقمية

“هويتي موريتانيا”: حين تتحوّل الدولة إلى واجهة رقمية

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني 

ليس “ تطبيق هويتي موريتانيا” مجرد إجراء تقني، ولا خبرًا إداريًا عابرًا في نشرة رسمية. إنه، في جوهره، لحظة كاشفة لعلاقة الدولة بمواطنيها، وللكيفية التي تُعاد بها صياغة مفهوم الهوية في زمن تتحول فيه الشاشة إلى بوابة وحيدة للاعتراف.
التطبيق، في ظاهره، وعدٌ بالسهولة: وثيقة في الهاتف، إجراء أسرع، طابور أقصر، وموظف أقل توترًا. لكن في باطنه، هو انتقال صامت من هوية تُثبت بالورق والحضور الجسدي، إلى هوية تُدار بالبيانات والخوارزميات. هنا، لا يعود المواطن وجهًا أو اسمًا في سجل، بل ملفًا رقميًا، صالحًا أو مرفوضًا، مكتملًا أو ناقصًا.
مدّ التطبيق يعني، سياسيًا، أن الدولة قررت المضي أبعد في رقمنة ذاتها. لكنه يعني اجتماعيًا شيئًا أدق: أن الاعتراف بك كمواطن صار مشروطًا بقدرتك على الولوج إلى التكنولوجيا. الهاتف الذكي لم يعد رفاهية، بل أصبح بطاقة عبور. ومن لا يملكها، أو لا يُحسن استخدامها، يقف تلقائيًا على هامش الدولة، ولو كان في قلبها جغرافيًا.
في بلد تتعايش فيه الحداثة مع الهشاشة، يصبح السؤال مشروعًا: هل يواكب “هويتي موريتانيا” واقع الناس، أم يطلب من الواقع أن يواكبه قسرًا؟ هل هو أداة إدماج، أم آلية فرز غير معلنة بين من هم داخل النظام الرقمي ومن هم خارجه؟
ثم هناك البعد الرمزي. الاسم نفسه: “هويتي”. صيغة فردية، مباشرة، كأن الدولة تقول لكل مواطن: هذه أنت، كما أراك أنا. لكن المفارقة أن هذه “الهوية” تُصاغ مركزيًا، وتُدار من الأعلى إلى الأسفل. أنت تمتلكها شكليًا، لكنك لا تتحكم فيها فعليًا. تحديثها، تصحيحها، أو حتى إثبات خطأ فيها، قد يتحول إلى رحلة بيروقراطية رقمية لا تقل تعقيدًا عن نظيرتها الورقية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المدّ يحمل أفقًا إيجابيًا. فهو اعتراف ضمني بأن الزمن تغيّر، وأن الدولة، مهما تأخرت، لا بد أن تلتحق. لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد التحميلات، بل بقدرة التطبيق على أن يكون جسرًا لا حاجزًا، وخدمة لا اختبارًا إضافيًا للمواطنة.
“هويتي موريتانيا” ليست مجرد تطبيق. إنها مرآة. تعكس طموح الدولة، وتكشف في الوقت نفسه عن تصدعاتها. وبين المدّ والتثبيت، يبقى الرهان واحدًا: أن تكون الهوية الرقمية امتدادًا للكرامة الإنسانية، لا بديلاً عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى