أحزاب جديدة في مشهد قديم.. هل تنعش التراخيص الأخيرة الحياة السياسية في موريتانيا؟
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
شهدت الساحة السياسية الموريتانية خلال الفترة الأخيرة دخول دفعة جديدة من مشاريع الأحزاب إلى المسار القانوني، كان أحدثها حصول ثلاثة تشكيلات، يوم 29 يوليو 2026، على وصول ترخيص مؤقتة، هي: حزب التغيير الجاد «تاج»، وحزب الأوفياء لموريتانيا «حالم»، وحزب النهضة من أجل العيش المشترك.
ولا تعني هذه الوصول اكتمال الترخيص النهائي، وإنما تمثل مرحلة متقدمة تتيح للأحزاب مواصلة إجراءات اعتمادها وفق القانون المنظم للأحزاب السياسية. وهذه نقطة مهمة، لأن وصفها بالأحزاب المرخصة نهائيًا قد يسبق وضعها القانوني الحالي.
ثلاثة أحزاب.. وثلاثة اتجاهات
تكشف هوية الأحزاب الثلاثة عن قدر من التنوع داخل الدفعة الجديدة، رغم أن برامجها التفصيلية وقدرتها التنظيمية ما تزال بحاجة إلى الاختبار.
حزب التغيير الجاد «تاج»، الذي ترأسه بنت وهب بلال رمظان، يقدّم نفسه بوصفه حزبًا معارضًا بقيادة شبابية، ويبرز ضمن قياداته النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود. ويمثل الحزب محاولة لنقل تجربة بعض الشباب المعارض من النشاط البرلماني والإعلامي والاحتجاجي إلى إطار حزبي منظم. وقد أعلن الحزب حصوله على وصل الترخيص المؤقت بعد استكمال التزكيات المطلوبة.
أما حزب الأوفياء لموريتانيا «حالم»، برئاسة فاطمة محمد سالم، فينطلق من أرضية شبابية داعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وتعود نواته إلى مبادرات وفعاليات سياسية ظهرت خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، قبل أن تتجه إلى توحيد جهودها داخل حزب سياسي. وحصل الحزب بدوره على وصل ترخيص مؤقت، وهو ما يمنحه فرصة للانتقال من منطق المبادرات الموسمية إلى العمل السياسي المؤسسي.
ويأتي حزب النهضة من أجل العيش المشترك، برئاسة با ممادو مصطفى، من زاوية مختلفة نسبيًا؛ إذ يحمل اسمه خطابًا يركز على التعايش والوحدة الوطنية. وقد تسلّم الحزب وصل الترخيص المؤقت بعد استكمال الإجراءات والتزكيات. وسيكون التحدي أمامه هو تحويل شعار العيش المشترك إلى برنامج واضح لمعالجة قضايا الوحدة الوطنية والتمييز والإرث الإنساني والعدالة الاجتماعية.
قانون جديد يرفع كلفة التأسيس
تأتي هذه التراخيص في ظل القانون رقم 010/2025 المنظم للأحزاب السياسية، الذي رفع شروط التأسيس مقارنة بالقانون السابق. ومن أبرز شروطه تزكية برنامج الحزب من طرف خمسة آلاف مواطن موزعين جغرافيًا، إلى جانب توسيع الجمعية العامة التأسيسية وفرض التزامات تنظيمية ومالية على الأحزاب.
وتعني هذه الشروط أن حصول أي مشروع سياسي على وصل الترخيص لم يعد مجرد إجراء إداري بسيط، بل أصبح مؤشرًا أوليًا على امتلاكه شبكة من الأنصار وقدرة على التنظيم وجمع التزكيات. لكن اجتياز العتبة القانونية لا يثبت بالضرورة وجود قاعدة انتخابية حقيقية؛ فقد تنجح بعض المشاريع في جمع التزكيات، ثم تعجز عن بناء فروع فعالة أو تقديم مرشحين أقوياء أو تحقيق نتائج معتبرة في صناديق الاقتراع.
انفتاح سياسي أم إعادة توزيع للخريطة؟
يمكن النظر إلى موجة التراخيص من زاويتين متباينتين.
الزاوية الأولى ترى فيها مؤشرًا على انفتاح المجال السياسي وإتاحة الفرصة أمام تيارات وشخصيات ظلت تعمل خارج الأطر الحزبية. ومن شأن دخول أحزاب معارضة وموالية وغير مصنفة أن يوسع التعددية، ويمنح الشباب والنساء والفاعلين المحليين مساحات جديدة للمشاركة.
أما الزاوية الثانية فتخشى أن تؤدي كثرة الأحزاب إلى مزيد من تفتيت المشهد، خصوصًا إذا كانت التشكيلات الجديدة مبنية حول أشخاص أو مبادرات ظرفية، وليست قائمة على برامج سياسية واقتصادية متمايزة.
فالمشكلة في التجربة الحزبية الموريتانية لم تكن دائمًا في قلة عدد الأحزاب، وإنما في ضعف بنيتها الداخلية، وارتباط بعضها بالأفراد، وغياب الديمقراطية الداخلية، ومحدودية حضورها بين المواطنين خارج المواسم الانتخابية.
لذلك لا يكفي أن يحمل الحزب اسمًا جديدًا أو شعارًا جذابًا؛ بل يجب أن يقدم إجابات عملية عن أسئلة البطالة وغلاء المعيشة والمياه والكهرباء والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية ومحاربة الفساد.
المعارضة أمام فرصة وتحدٍّ
يمثل دخول أحزاب معارضة جديدة، مثل «تاج»، فرصة لتجديد الخطاب المعارض واستقطاب فئات شبابية لا ترى نفسها ممثلة في الأحزاب التقليدية. لكنه قد يزيد كذلك من تشتت المعارضة إذا لم يصاحبه تنسيق حول القضايا الكبرى والاستحقاقات الانتخابية.
وسيكون على هذه الأحزاب أن تحدد علاقتها بالائتلافات المعارضة القائمة، وموقفها من الحوار السياسي، وطبيعة تحالفاتها في الانتخابات المقبلة. كما سيكون عليها إثبات قدرتها على العمل خارج نواكشوط، لأن الحضور الإعلامي في العاصمة لا يعوّض بناء قواعد في الداخل.
أحزاب الموالاة واختبار الاستقلالية
بالنسبة للأحزاب الداعمة للرئيس، فإن التحدي لا يقل صعوبة. فوجود أكثر من حزب داخل الأغلبية قد يوسع قاعدة المشاركة، لكنه قد يتحول إلى مجرد تنافس على القرب من السلطة إذا لم تمتلك هذه الأحزاب رؤى خاصة بها.
وسيُقاس نجاح حزب مثل «حالم» بقدرته على التحول من تجمع لمبادرات مؤيدة للرئيس إلى مؤسسة سياسية ذات هياكل منتخبة وبرنامج واضح ومواقف مستقلة نسبيًا، بما في ذلك القدرة على تقييم أداء الحكومة وانتقاد الاختلالات بدل الاكتفاء بالدفاع عن السياسات الرسمية.
الحوار الوطني أول امتحان
يأتي دخول الأحزاب الجديدة بالتزامن مع التحضير للحوار السياسي الوطني، ما يمنحها فرصة مبكرة لإظهار رؤيتها بشأن إصلاح المؤسسات والنظام الانتخابي والحريات العامة والحكامة والوحدة الوطنية.
وسيكون حضورها في الحوار اختبارًا لقدرتها على إنتاج الأفكار، لا مجرد تسجيل المواقف. كما ستكشف طريقة تعامل القوى السياسية القديمة معها مدى استعداد المشهد الحزبي لاستيعاب فاعلين جدد.
الخلاصة
تمثل التراخيص الأخيرة فرصة لإدخال دماء جديدة إلى الحياة السياسية الموريتانية، لكنها لا تعني تلقائيًا أن الخريطة السياسية تغيرت. فالترخيص يمنح الحزب وجودًا قانونيًا، أما الشرعية السياسية فتبنيها المواقف والبرامج والعمل الميداني ونتائج الانتخابات.
وستظل الأسئلة الحاسمة أمام الأحزاب الجديدة هي: هل تتحول إلى مؤسسات تتجاوز الأشخاص؟ هل تنجح في الانتشار خارج العاصمة؟ هل تقدم حلولًا واقعية لمشكلات المواطنين؟ وهل تشكل إضافة نوعية أم مجرد أسماء جديدة داخل مشهد يعاني أصلًا من التشتت؟
الإجابة لن تقدمها بيانات التأسيس، بل سيقدمها أداء هذه الأحزاب خلال الحوار الوطني والاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
زر الذهاب إلى الأعلى