موريتانيا.. حين يصبح الإنفوغرافي بديلاً عن الإنجاز
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
في موريتانيا، يبدو أن الصورة باتت أحياناً أكثر حضوراً من الواقع، وأن الإنفوغرافي أصبح لغةً مفضلة لعرض المشاريع والإنجازات، حتى يكاد يتحول من وسيلة لشرح ما تحقق إلى وسيلة لصناعة الانطباع حول ما يُفترض أن يتحقق.
في كل مناسبة تقريباً، تظهر صور المشاريع، والجولات الميدانية، والاجتماعات، والورشات، وتُرفق بها أرقام ونسب ورسوم بيانية تحمل عبارات كبيرة عن التنمية والإنجاز والتقدم. غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: ماذا بقي على الأرض بعد انتهاء التصوير؟
من الإنجاز إلى «صناعة الصورة»
الإنفوغرافي في حد ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أداة إعلامية حديثة تساعد على تبسيط المعلومات وعرض الأرقام بطريقة مفهومة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الشكل أهم من المضمون، وعندما تتحول الصورة إلى غاية بدل أن تكون توثيقاً لإنجاز حقيقي.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى صورة جميلة لمشروع، وإنما يريد أن يرى المشروع قائماً ويعمل. ولا تكفيه نسبة مئوية على تصميم أنيق، إذا كانت الخدمة التي يفترض أن تعكسها تلك النسبة غائبة عن حياته اليومية.
وهنا تظهر الفجوة بين «ما تقوله الصورة» و«ما يراه المواطن».
أرقام كثيرة.. وأسئلة أكثر
الخطاب الرسمي والإعلامي الحديث يعتمد بصورة متزايدة على الأرقام والمؤشرات. لكن الرقم، مهما بدا مقنعاً، يحتاج إلى مصدر واضح، ومنهجية قياس، ومقارنة زمنية، وإمكانية للتحقق.
فحين يقال إن مشروعاً أنجز بنسبة 80 أو 90 في المائة، يحق للمواطن أن يسأل: متى بدأ المشروع؟ وما الذي أُنجز فعلاً؟ وما نسبة التنفيذ على الأرض؟ وكم كلف؟ ومن الجهة التي أشرفت عليه؟ ومتى سيبدأ المواطن في الاستفادة منه؟
هذه الأسئلة هي التي تفصل بين الإنجاز الحقيقي والتسويق للإنجاز.
المواطن لا يعيش داخل الإنفوغرافي
المواطن الموريتاني يعيش تفاصيل يومية لا يمكن اختزالها في تصميم بصري: الكهرباء، الماء، الطرق، الصحة، التعليم، الأسعار، التشغيل، النقل والخدمات العمومية.
لذلك فإن نجاح أي سياسة عامة لا يقاس بعدد الصور المنشورة ولا بجمال التصاميم، وإنما بمدى تأثيرها في حياة الناس.
قد يكون الإنفوغرافي ممتازاً، لكن المستشفى يظل بلا أدوية. وقد تكون الصورة مبهرة لمشروع طرقي، بينما يظل المواطن يعاني من طريق متدهور. وقد تعرض أرقاماً عن تحسن الخدمات، بينما يروي الواقع قصة مختلفة.
عندما تتحول الصورة إلى «إنجاز»
الخطر الأكبر يبدأ عندما تتداخل العلاقات العامة مع العمل الحكومي إلى درجة يصبح فيها إنتاج الصورة جزءاً من صناعة الإنجاز نفسه.
زيارة ميدانية، اجتماع، توقيع اتفاقية، وضع حجر أساس، إطلاق مشروع، ثم سلسلة من الصور والتصاميم والبيانات.
لكن بعد انتهاء المراسم، يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا حدث بعد ذلك؟
كم مشروعاً تحول من صورة إلى واقع؟ وكم مشروعاً بقي في مرحلة الإعلان؟ وكم اتفاقية تحولت إلى نتائج ملموسة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الكاميرا.
موريتانيا تحتاج إلى «إنفوغرافي تدقيق»
بدلاً من الاكتفاء بإنفوغرافي يعرض ما تقوله الجهات الرسمية، ربما تحتاج البلاد إلى نوع آخر من الإنفوغرافي: إنفوغرافي يسأل ويقارن ويتحقق.
كم كانت الكلفة المعلنة؟
كم تم صرفه فعلياً؟
ما نسبة الإنجاز؟
ما تاريخ التسليم؟
من الشركة المنفذة؟
هل المشروع يعمل اليوم؟
وما أثره على المواطن؟
عندها يصبح الإنفوغرافي أداة للشفافية، لا مجرد أداة للدعاية.
الصورة لا تستطيع أن تحجب الواقع إلى الأبد
لا أحد يعترض على أهمية الإعلام الحكومي أو على حق المؤسسات في إبراز ما تحقق. لكن الفرق كبير بين تقديم الإنجاز إعلامياً وبين صناعة إنجاز إعلامي لا يملك ما يكفي من الواقع.
موريتانيا اليوم بحاجة إلى أن تنتقل من ثقافة «صوّرنا المشروع» إلى ثقافة «أنجزنا المشروع»، ومن سؤال: كم صورة نشرنا؟ إلى سؤال: كم مشكلة حللنا؟
فالإنفوغرافي قد يجعل المشروع يبدو كبيراً، والصورة قد تمنح المناسبة بريقاً، والبيان قد يصوغ الإنجاز بلغة رنانة.
لكن في النهاية، المواطن هو الشاشة الأكبر، والواقع هو التقرير الذي لا يمكن تجميله إلى الأبد.
وفي بلد تتسارع فيه صناعة الصور والتصاميم، يبقى التحدي الحقيقي هو أن تصبح الإنجازات نفسها أكبر من الإنفوغرافي الذي يصفها.
زر الذهاب إلى الأعلى