الأخطبوط الموريتاني تحت الضغط.. من يستنزف ثروة البحر؟
تحقيق خاص – اليوم السابع الموريتاني
لم يعد الأخطبوط مجرد نوع بحري ذي قيمة تجارية عالية في موريتانيا، بل أصبح واحداً من أهم المؤشرات على مدى قدرة البلاد على حماية مواردها البحرية من الاستنزاف.
فهذا المورد الذي تقوم عليه أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي في قطاع الصيد يواجه معادلة معقدة: طلب خارجي مرتفع، نشاط صيد مكثف، تغيرات بيئية، وتنافس بين مختلف قطاعات الأسطول على مورد سريع النمو لكنه قصير دورة الحياة.
ويؤكد المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد أن الأخطبوط الموريتاني (Octopus vulgaris) يتميز بدورة حياة قصيرة تتراوح بين سنة وسنة ونصف، وبنمو سريع، مع فترتي تكاثر وتجدد رئيسيتين خلال السنة. ولهذا السبب تعتمد موريتانيا فترات راحة بيولوجية تهدف إلى حماية مراحل التكاثر والتجنيد.
أزمة الإنتاج ليست جديدة
المعطيات العلمية الموريتانية تكشف أن القلق حول مستقبل الأخطبوط ليس وليد السنوات الأخيرة.
فقد سبق للمعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد أن سجل، منذ عقود، تذبذبات كبيرة في وفرة الأخطبوط ومصيده، مع فترات تراجع قوية في مؤشرات الوفرة. كما أظهرت دراسات تاريخية للمعهد أن ضغط الصيد الصناعي كان عاملاً مهماً في الضغط على المخزون.
وفي أعقاب استئناف نشاط الصيد في نوفمبر 2020، سجل المعهد انخفاضاً حاداً في مردودية الأخطبوط، ما دفعه إلى تشكيل خلية أزمة لدراسة أسباب التراجع وعلاقته بحالة المخزون والظروف البيئية.
وهذه النقطة بالذات تطرح سؤالاً جوهرياً:
هل المشكلة في تغير البيئة البحرية وحده، أم أن جهد الصيد أصبح أكبر من قدرة المخزون على التجدد؟
أرقام المراقبة العلمية تثير القلق
خلال حملة تقييم أجريت في يناير 2021، بلغ متوسط مردودية الأخطبوط 6.53 كيلوغرام لكل 30 دقيقة من الجر، مقابل 8.46 كيلوغرام لكل 30 دقيقة في حملة نوفمبر 2020.
ورغم أن مؤشر حملة واحدة لا يكفي وحده للحكم على مستقبل المخزون، فإن استمرار مراقبة هذا المؤشر يصبح ضرورياً في ظل حساسية الأخطبوط للتغيرات البيئية وضغط الصيد.
وفي حملة أخرى لتقييم الموارد القاعية سنة 2023، شملت 100 محطة جر و47 محطة هيدرولوجية، سجلت الدراسات وجود نسبة معتبرة من الأفراد اليافعة ضمن البنية الحجمية للأخطبوط، مع اختلاف المؤشرات بين مناطق الشمال والوسط والجنوب.
لماذا يمثل جهد الصيد المشكلة الأساسية؟
الأخطبوط مورد سريع النمو، لكنه لا يستطيع تحمل ضغط غير محدود.
وتشير الوثائق العلمية الموريتانية إلى أن إدارة مصايد الأخطبوط تقوم على مجموعة من الأدوات، من بينها تحديد إجمالي المصيد المسموح به، والراحة البيولوجية، وتحديد مناطق الصيد، وضبط حجم الشباك وغيرها من الإجراءات الهادفة إلى التحكم في جهد الصيد.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق والرقابة.
فكلما ارتفع عدد الوحدات النشطة، وتحسنت قدرتها التقنية على العثور على الأخطبوط واصطياده، ارتفع الضغط الفعلي على المورد، حتى لو بقيت القواعد الرسمية على حالها.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
كم طناً تم اصطياده؟
بل أيضاً:
كم عدد القوارب والسفن التي اصطادت؟ وكم يوماً عملت؟ وما حجم قدرتها على الصيد؟
الراحة البيولوجية.. حل ضروري لكنه ليس كافياً
اعتمدت موريتانيا منذ سنوات نظام الراحة البيولوجية لحماية فترات التكاثر والتجدد.
ويؤكد المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد أن تحديد هذه الفترات يستند إلى المعطيات العلمية المتعلقة بدورة حياة الأخطبوط، وأنها تخضع للتعديل وفق نتائج المتابعة العلمية.
غير أن نجاح الراحة البيولوجية يتوقف على عدة عوامل:
احترام موعد التوقف.
منع الصيد غير القانوني خلال فترة الراحة.
ضبط حجم وجهد الأسطول بعد استئناف النشاط.
حماية الأفراد الصغيرة.
مراقبة مناطق التكاثر.
الاعتماد على بيانات علمية حديثة عند تحديد TAC وفترات التوقف.
وبالتالي فإن الراحة البيولوجية ليست علاجاً سحرياً إذا عاد ضغط الصيد بعد انتهائها إلى مستويات مرتفعة.
البيئة تدخل على خط الأزمة
لا يمكن تحميل الصيد وحده مسؤولية كل تغير في مخزون الأخطبوط.
فالمعهد الموريتاني يؤكد أن حالة المورد ترتبط أيضاً بالظروف البيئية والمحيطية، وقد سجلت حملات التقييم تغيرات في درجات حرارة المياه واختلافات بين المناطق البحرية.
وهذا يجعل إدارة الأخطبوط أكثر تعقيداً من مجرد تقليص عدد القوارب.
فالاحتباس الحراري، تغير درجات حرارة المياه، تغير التيارات البحرية، وتغير توفر الغذاء، كلها عوامل يمكن أن تؤثر على توزيع الأخطبوط ونموه وتكاثره.
ثروة اقتصادية وليست مجرد مورد بحري
الأخطبوط يحتل موقعاً مهماً في الاقتصاد البحري الموريتاني.
وقد وصفته الوثائق العلمية الموريتانية بأنه مورد ذو أهمية اجتماعية واقتصادية كبيرة، كما أن مصايد الرخويات شكلت تاريخياً أحد المحاور الأساسية في تنظيم المصايد القاعية بالبلاد.
لذلك فإن استنزاف المخزون لا يعني فقط انخفاض كمية الصادرات.
إنه يعني أيضاً:
انخفاض دخل الصيادين، تراجع نشاط مصانع التجميد، انخفاض فرص العمل، تراجع عائدات الدولة، وارتفاع تكلفة الحصول على المادة الخام.
ومن هنا تصبح حماية الأخطبوط مسألة اقتصادية واجتماعية بقدر ما هي قضية بيئية.
أين تكمن المسؤولية؟
من الخطأ اختزال الأزمة في طرف واحد.
الصيد الصناعي له تأثيره، والصيد التقليدي والساحلي له تأثيره، كما أن تغير البيئة البحرية عامل لا يمكن تجاهله.
لكن المسؤولية الأساسية في النهاية تقع على منظومة إدارة المصيد بأكملها: الدولة، الرقابة، البحث العلمي، المشغلون، والفاعلون في سلسلة التسويق والتصدير.
وكان المعهد قد حذر في مناسبات سابقة من تزايد الضغط على الموارد البحرية، وشدد على أهمية وجود نظام معلومات موثوق يسمح بتتبع المخزون والنشاط البحري بصورة دقيقة.
ماذا يجب أن تفعل موريتانيا؟
إذا أرادت موريتانيا حماية ثروتها من الأخطبوط، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة استباقية للمخزون.
ومن أبرز الإجراءات التي تستحق النقاش:
نشر المؤشرات العلمية السنوية الخاصة بمخزون الأخطبوط بصورة أكثر انتظاماً.
ربط حجم الأسطول بمؤشرات المخزون وليس فقط بالاعتبارات الاقتصادية.
تشديد الرقابة خلال فترات الراحة البيولوجية.
حماية مناطق التكاثر والحضانة.
مراقبة صيد الأحجام الصغيرة.
تطوير نظام رقمي لتتبع المصيد من البحر حتى نقطة التصدير.
تعزيز استقلالية البحث العلمي في تحديد مستويات الاستغلال.
إشراك الصيادين في وضع إجراءات إدارة المورد.
مراجعة جهد الصيد عند ظهور مؤشرات انخفاض المردودية.
بناء استراتيجية طويلة الأمد لا تعتمد على ارتفاع الأسعار العالمية كدافع لزيادة الاستغلال.
الخلاصة
المشكلة الحقيقية ليست أن موريتانيا تملك أخطبوطاً كثيراً أو قليلاً.
المشكلة هي: هل يتم اصطياد الأخطبوط بالسرعة نفسها التي يستطيع بها المخزون أن يتجدد؟
المعطيات العلمية المتاحة تؤكد أن المورد حساس، وأن موريتانيا سبق أن واجهت فترات تراجع حاد في المردودية، وأن الدولة وضعت أدوات متعددة لحمايته، أبرزها الراحة البيولوجية وتحديد جهد الصيد.
لكن مستقبل هذه الثروة سيتحدد في النهاية بمدى قدرة البلاد على تحقيق التوازن بين مصلحة الصياد اليوم وحق الأجيال القادمة في ثروة البحر غداً.
اليوم السابع الموريتاني
المصادر: المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، والدراسات العلمية المتعلقة بمصايد الأخطبوط
زر الذهاب إلى الأعلى