آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

هل لدينا أحزاب سياسية في موريتانيا أم مجرد حبر على ورق

هل لدينا أحزاب سياسية في موريتانيا أم مجرد حبر على ورق

هل لدينا أحزاب سياسية في موريتانيا أم مجرد حبر على ورق؟

الأحزاب الموريتانية بين كثرة التشكيلات وضعف الثقة.. أين البرامج وأين المواطن؟

اليوم السابع الموريتاني 

في موريتانيا، تتعدد الأحزاب السياسية، وتتنوع شعاراتها، وتختلف أسماؤها وتوجهاتها، لكن سؤالًا جوهريًا يظل حاضرًا في النقاش العام: هل نجحت هذه الأحزاب في التحول إلى مؤسسات سياسية فاعلة، أم أن بعضها لا يزال أقرب إلى لافتات انتخابية تظهر في المناسبات وتغيب عن هموم المواطن اليومية؟

منذ إقرار التعددية الحزبية سنة 1991، شهدت البلاد تحولات سياسية وانتخابية عديدة، وتأسست أحزاب من الأغلبية والمعارضة، بعضها يمتلك تاريخًا طويلًا وقواعد انتخابية، وبعضها الآخر ما زال يبحث عن مكان له في المشهد السياسي.

لكن وجود الأحزاب من الناحية القانونية شيء، ومدى قدرتها على أداء وظائفها الديمقراطية شيء آخر.

أحزاب كثيرة.. ولكن أين البرامج؟

من الطبيعي أن تختلف الأحزاب في رؤاها وتصوراتها لمستقبل البلاد، غير أن المواطن يحتاج إلى أكثر من الشعارات والبيانات السياسية.

فحين يعاني الشباب من البطالة، وتواجه الأسر ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحتاج قطاعات التعليم والصحة إلى حلول مستدامة، يصبح السؤال مشروعًا: ما البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها أحزابنا؟ وما الذي تحقق من الوعود التي رفعتها خلال الحملات الانتخابية؟

الحزب السياسي ليس مجرد مقر وشعار ورئيس ومؤتمر صحفي؛ إنه مؤسسة يفترض أن تنتج الأفكار، وتؤطر المواطنين، وتقدم الحلول، وتخضع للمساءلة.

الأغلبية والمعارضة.. مسؤوليات مختلفة

تتحمل أحزاب الأغلبية مسؤولية دعم السياسات التي تتبناها، وشرحها للمواطنين، ومتابعة نتائجها وتقييمها، بما في ذلك الإقرار بما يحتاج منها إلى مراجعة وتصحيح.

أما أحزاب المعارضة، فتتمثل إحدى أهم وظائفها في مراقبة الأداء الحكومي، وكشف أوجه القصور بالأدلة، وتقديم بدائل عملية يمكن مناقشتها ومقارنتها بالسياسات القائمة.

وقد أظهرت الانتخابات التشريعية لسنة 2023 فوز حزب الإنصاف بـ107 مقاعد من أصل 176، مقابل 11 مقعدًا لحزب تواصل، وتوزع بقية المقاعد بين أحزاب وتشكيلات أخرى.

وتكشف هذه النتائج عن تفاوت واضح في التمثيل البرلماني، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة العمل الحزبي أو مستوى تأثيره في حياة المواطنين.

هل أصبحت الأحزاب مرتبطة بالأشخاص أكثر من الأفكار؟

من الإشكالات التي يثيرها الباحثون في الحياة الحزبية الموريتانية تأثير الزعامات الشخصية والروابط الاجتماعية على التنظيمات السياسية، إلى جانب وجود تيارات ذات مرجعيات فكرية وقواعد انتخابية معروفة.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل ينتمي المواطن إلى الحزب اقتناعًا ببرنامجه السياسي، أم ارتباطًا بشخصية قيادية أو تحالف اجتماعي أو مصلحة ظرفية؟

وهل تستطيع الأحزاب الاستمرار وتجديد نفسها عندما تتغير قياداتها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب النظر إلى طريقة اتخاذ القرارات داخل الأحزاب، وانتخاب هيئاتها، وتداول المسؤوليات بين أعضائها، ومدى انفتاحها على الكفاءات الشابة والنساء.

قانون الأحزاب الجديد.. تنظيم أم تضييق؟

أعادت التعديلات التي صادق عليها البرلمان الموريتاني في يناير 2025 الجدل حول مستقبل التعددية الحزبية.

فقد تضمنت شروطًا جديدة لتأسيس الأحزاب، من بينها رفع عدد أعضاء الجمعية التأسيسية إلى 150 شخصًا، واشتراط تزكية البرنامج الحزبي من طرف خمسة آلاف مواطن، فضلًا عن تدابير تتعلق بالتجديد القيادي والتنظيم الداخلي.

وتعتبر الحكومة أن هذه الإصلاحات تستهدف تعزيز جدية الأحزاب وقدرتها على تأطير المواطنين، بينما ترى أطراف معارضة أن بعض الشروط قد تجعل تأسيس الأحزاب الجديدة أكثر صعوبة وتؤثر في حرية التنظيم السياسي.

وفي المقابل، شهدت سنة 2025 منح تراخيص نهائية لأحزاب جديدة، وهو تطور ينبغي أخذه في الحسبان عند تقييم النتائج العملية للتعديلات.

ويبقى الاختبار الحقيقي في كيفية تطبيق القانون بصورة عادلة وشفافة، وفي قدرته على الجمع بين تنظيم المشهد الحزبي وحماية التعددية السياسية.

أين الشباب من صناعة القرار الحزبي؟

يمثل إشراك الشباب والنساء أحد الاختبارات المهمة لمدى انفتاح الأحزاب على المجتمع.

فهل يشارك الشباب في صياغة البرامج واتخاذ القرارات، أم تقتصر أدوارهم على التعبئة الانتخابية؟

وهل تمنح الأحزاب لأعضائها فرصًا متكافئة للوصول إلى مواقع القيادة، أم تستمر المواقع الأساسية مرتبطة بأسماء محددة؟

إن الإجابة لا توجد في الخطابات وحدها، وإنما في الأنظمة الداخلية، ونتائج المؤتمرات، وطريقة اختيار المرشحين، وطبيعة المسؤوليات المسندة إلى الأجيال الجديدة.

المواطن هو المعيار الحقيقي

حين يختار المواطن حزبًا سياسيًا، فإنه لا يمنحه صوته لمجرد الاسم أو الشعار، وإنما يفترض أنه يختار برنامجًا وتصورًا لإدارة الشأن العام.

ومن حقه أن يعرف ما الذي فعله نواب الحزب، وما المواقف التي اتخذوها، وكيف تعاملوا مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وما الذي تحقق من تعهداتهم.

كما أن من حقه أن يطالب الأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة، بتقديم حصيلة دورية واضحة عن أعمالها وأنشطتها ومصادر تمويلها، وفق مقتضيات القانون.

الخلاصة.. سؤال مفتوح أمام الجميع

لا يمكن اختزال التجربة الحزبية الموريتانية في حكم واحد؛ فالأحزاب تختلف في تاريخها وتنظيمها وقواعدها الشعبية وحضورها الانتخابي.

لكن النقاش حول فاعليتها يظل ضروريًا، لأن التعددية السياسية لا تتعلق بعدد التشكيلات وحده، بل ترتبط أيضًا بحرية المنافسة، وقوة المؤسسات، ووضوح البرامج، واستقلالية القرار، والقدرة على تمثيل تطلعات المواطنين.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن تجيب عنه الأحزاب قبل غيرها:

ماذا قدمنا للمواطن خارج موسم الانتخابات؟

فبين الوجود القانوني والحضور الفعلي مسافة لا تقاس بعدد الشعارات، وإنما بحصيلة العمل والالتزام والمسؤولية.

فهل نحن أمام أحزاب تصنع السياسات وتؤطر المجتمع، أم أن جانبًا من المشهد الحزبي ما زال بحاجة إلى الانتقال من الشعارات المكتوبة إلى العمل الملموس؟

اليوم السابع الموريتاني – مساحة للنقاش والرأي المسؤول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى