بيرام خارج طاولة الحوار
رفضٌ يكشف أزمة الثقة قبل أزمة السياسة
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
بيرام ولد الداه اعبيد… حين يتحول رفض الحوار إلى موقف سياسي مكتمل
في موريتانيا، لا يُقرأ رفض الحوار بوصفه انسحابًا من السياسة، بل كثيرًا ما يكون تعبيرًا مكثفًا عن موقع سياسي يرى في الصمت أحيانًا كلامًا أكثر وضوحًا من الجلوس إلى الطاولة. هكذا يمكن فهم موقف بيرام ولد الداه اعبيد من الحوار الوطني المرتقب، والذي أثار جدلًا واسعًا بين من يراه تشددًا غير مبرر، ومن يعتبره موقفًا منسجمًا مع تاريخ طويل من الشك في جدوى الحوارات الرسمية.
بيرام لا يرفض الحوار كمبدأ. هذه نقطة يكررها أنصاره وخصومه على حد سواء. لكنه يرفض، وبإصرار، ما يسميه «حوار الشكل دون المضمون»، ذلك الذي يبدأ بلا ضمانات، ويُدار بلا سقف زمني واضح، وينتهي غالبًا بتوصيات تُودع الأرشيف السياسي دون أثر ملموس في واقع السلطة أو المجتمع.
منذ سنوات، يقدّم الرجل قراءة ثابتة للمشهد: السلطة، في نظره، تستخدم الحوار كأداة تهدئة أكثر منه كآلية تغيير. وعليه، فإن المشاركة في حوار لا يسبقه اعتراف بالأزمات البنيوية، ولا يرافقه التزام صريح بتنفيذ المخرجات، ليست سوى إعادة إنتاج لدورة سياسية مألوفة، تُستهلك فيها المعارضة وتخرج السلطة أكثر استقرارًا، دون أن يتغير جوهر المعادلة.
ما يميز موقف بيرام هذه المرة أنه لا يكتفي بالرفض، بل يربطه بشروط واضحة: ضمانات تنفيذ، حياد الجهة المشرفة، وإدراج الملفات الحساسة دون خطوط حمراء. وهي شروط يراها البعض مثالية أكثر من اللازم، فيما يراها آخرون الحد الأدنى لأي حوار يُراد له أن يكون مختلفًا عن سابقاته.
في المقابل، يثير موقفه حرجًا داخل المعارضة نفسها. فقبول بعض أطرافها بالمشاركة في الحوار يفتح الباب أمام سؤال قديم متجدد: هل الخلاف مع النظام خلاف في الأهداف أم في الأساليب؟ بيرام يذهب أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن جزءًا من المعارضة أصبح أقرب إلى «شريك سياسي ظرفي» منه إلى قوة ضغط حقيقية، وهو توصيف قاسٍ لكنه يعكس عمق الهوة بينه وبين باقي الطيف المعارض.
في النهاية، لا يمكن فصل رفض بيرام للحوار عن مساره السياسي العام. هو موقف متسق مع شخصية بنت حضورها على الصدام الرمزي مع السلطة، وعلى التشكيك الدائم في نواياها. سواء اتفق المرء مع هذا الموقف أو اختلف، فإن الثابت أن الرجل يفرض، برفضه، نقاشًا أعمق: هل المشكلة في غياب الحوار، أم في غياب شروطه؟ وهل تحتاج موريتانيا إلى طاولة جديدة، أم إلى إرادة مختلفة؟

زر الذهاب إلى الأعلى