آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

33 سنة في الصحافة.. حين يصبح ضيق اليد ثمناً لراحة الضمير

33 سنة في الصحافة.. حين يصبح ضيق اليد ثمناً لراحة الضمير

33 سنة في الصحافة.. حين يصبح ضيق اليد ثمناً لراحة 

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني 

ثلاثة وثلاثون عاماً في مهنة الصحافة ليست مجرد رقم في سيرة مهنية، بل رحلة طويلة بين الكلمة والمبدأ، بين الأمل والخيبة، وبين الإيمان بأن الصحافة رسالة، ومحاولات تحويلها إلى سلعة تُباع وتشترى.
بعد كل هذه السنوات، أستطيع أن أقول إن أعظم ما خرجت به من هذه الرحلة ليس المال ولا السيارات ولا البنيان، وإنما راحة الضمير.
الحمد لله أنني لم أحتج إلى بيع موقفي كي أشتري رفاهيتي، ولم أضطر إلى تحويل القلم إلى وسيلة ابتزاز، ولا الصحافة إلى باب للرشوة أو المقايضة أو “كثرة السؤال”.
لقد شاهدت، خلال أكثر من ثلاثة عقود، كيف تسلل إلى الحقل الصحفي منطق مختلف عن منطق المهنة؛ منطق يجعل من القرب من أصحاب النفوذ مصدراً للمكاسب، ومن الصمت عن الأخطاء سلعة، ومن التشهير وسيلة للضغط، ومن المعلومة أداة للمساومة.
والأكثر إيلاماً أن بعض هذه الممارسات أصبحت، في نظر أصحابها، نوعاً من “النجاح”، حتى صار التباهي بالسيارات والمظاهر والبنيان يُقدَّم أحياناً باعتباره دليلاً على النجاح المهني، بينما يُنظر إلى الصحفي الذي يحافظ على استقلاليته ويعيش بحدود إمكاناته باعتباره فاشلاً أو متخلفاً عن الركب.
لكنني أؤمن أن هناك فرقاً كبيراً بين النجاح في جمع المال والنجاح في الحفاظ على الكرامة.
لقد تعرضنا للتسفيه والشيطنة، وشاهدنا كيف تصدر المشهد أحياناً أشخاص لا يمتلك بعضهم التكوين الكافي في اللغات أو الكتابة الصحفية أو العمل السمعي البصري، ومع ذلك وجدوا طريقهم إلى الواجهة، وأصبحوا من أصحاب المنابر والأصوات الأعلى حضوراً.
هذه ليست دعوة إلى احتكار المهنة من طرف جيل أو فئة، ولا انتقاصاً من أحد لمجرد أنه دخل الحقل حديثاً؛ فالصحافة فضاء مفتوح، ومن حق كل إنسان أن يتعلم ويطور نفسه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول قلة الخبرة إلى سلطة، ويتحول المنبر إلى وسيلة للضغط، وتصبح المهنة غطاءً لممارسات لا علاقة لها بأخلاقيات الصحافة.
لقد اخترت، منذ البداية، أن تكون الكلمة عندي أثمن من المال، وأن يكون القلم شاهداً لا أداة ابتزاز، وأن تكون الصحافة مساحة للحقيقة لا سوقاً للمصالح.
وقد يكون ثمن هذا الخيار ضيق ذات اليد، وقد يجلب التهميش أو حملات التشويه، لكنه يمنح صاحبه شيئاً لا يمكن شراؤه بالمال: النوم مرتاح الضمير.
ثلاثة وثلاثون عاماً علمتني أن الصحفي قد يخسر الكثير إذا تمسك بمبادئه، لكنه يخسر نفسه إذا باعها.
ولذلك، وأنا أنظر إلى هذه المسيرة الطويلة، لا أقول إنني حققت كل ما تمنيت، ولا أدعي أنني كنت معصوماً من الخطأ، لكنني أقول شيئاً واحداً بثقة:
الحمد لله الذي أبقاني قادراً على النظر إلى المرآة دون أن أخجل من الصورة التي أراها فيها.
أما المال فيذهب، والسيارات تبلى، والبنيان يتهدم، والمناصب تتغير، والمنابر تنتقل من يد إلى أخرى.
لكن راحة الضمير لا تُشترى، وإذا ضاعت فلن تعيدها كل ثروات الدنيا.
اللهم لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما منعت.
اللهم استرنا بسترك الجميل، واعصمنا من الزلل، وثبتنا على الحق، ولا تجعل مهنتنا سبباً في ظلم أحد أو أكل حق أحد.
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وتبرأت من حولي وقوتي، واعتصمت بحولك وقوتك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى