حين تكشف تصريحات الحكومة ما هو أكبر من الحريق: أين اختفت سنوات تحديث شبكة الكهرباء؟
تقرير خاص – اليوم السابع الموريتاني
لم تعد قضية حرائق محطتي تحويل الكهرباء في نواكشوط مجرد حادث تقني تنتظر البلاد معرفة أسبابه المباشرة، بل بدأت تصريحات الحكومة نفسها تفتح باباً أوسع بكثير: هل تكمن المشكلة في الحريق وحده، أم في منظومة كهربائية ظلت لسنوات تعمل بمعدات ومنشآت تحتاج إلى التحديث؟
الوزير الأول المختار ولد أجاي أعلن تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الحادث، تضم مسؤولين وخبراء وطنيين ودوليين، وستبحث في الأسباب المباشرة وغير المباشرة، والمسؤوليات المحتملة للجهات العمومية والموردين وشركات التنفيذ ومكاتب الدراسات والوسطاء.
لكن أكثر ما يستوقف في تصريحات الوزير الأول ليس فقط الإعلان عن لجنة التحقيق، وإنما المعلومات المتعلقة بالتجهيزات التي كان يفترض أن تعزز شبكة الكهرباء في العاصمة.
محطات من 2014 و2015.. وتجهيزات لم تدخل الخدمة
بحسب تصريحات الوزير الأول، فإن محطتي التحويل اللتين تعرضتا للحريق شُيدتا في 2014 و2015، أي أن جزءاً مهماً من البنية التي يعتمد عليها توزيع الكهرباء في العاصمة يعود إلى أكثر من عقد.
وفي المقابل، كشف ولد أجاي أن المحولات والقواطع والخلايا التي تم اقتناؤها ضمن برنامج تنمية نواكشوط لم يُركب منها أيٌّ حتى الآن؛ وقال إن المحولات الخمسة ما تزال في المخازن، بينما القواطع والخلايا لم تصل بعد.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف:
كيف يمكن لدولة أن تقتني تجهيزات موجهة لتعزيز شبكة كهربائية حيوية، ثم تبقى هذه التجهيزات خارج الخدمة، بينما تستمر منشآت قديمة في تحمل عبء الشبكة؟
هذا السؤال لا يمثل اتهاماً لأحد، ولا يثبت أن المعدات غير المركبة لها علاقة بالحريقين. لكنه سؤال إداري وفني مشروع، بل ينبغي أن يكون في صلب التحقيق.
الحريق ليس وحده القضية
قد يكون الحريق نتيجة عطل تقني، أو خلل في منظومة الحماية، أو مشكلة في أحد مكونات المحطة، أو سبباً آخر لم يتحدد بعد.
ولهذا سيكون من الخطأ إصدار حكم مسبق قبل انتهاء التحقيق.
لكن التحقيق الجاد لا ينبغي أن يكتفي بالسؤال:
ما الذي أشعل النار؟
بل يجب أن يسأل أيضاً:
لماذا كانت المنظومة في هذه الحالة قبل اندلاع النار؟
فمحطات التحويل ليست مجرد مبانٍ تحتوي على محولات وكابلات؛ إنها نقاط استراتيجية في شبكة الكهرباء، وأي خلل فيها يمكن أن ينتقل تأثيره إلى مساحات واسعة من المدينة.
وقد أظهرت الحرائق فعلاً حجم هشاشة الشبكة، بعدما أدت إلى انقطاعات واسعة في مناطق من نواكشوط.
ثلاثة أسئلة لا بد أن تجيب عنها لجنة التحقيق
أولاً: لماذا لم تُركب التجهيزات؟
إذا كانت هناك محولات وقواطع وخلايا تم اقتناؤها ضمن برنامج لتطوير الشبكة، فيجب تحديد:
متى تم التعاقد عليها؟
كم بلغت قيمتها؟
متى وصلت؟
من تسلمها؟
أين خُزنت؟
لماذا لم تدخل الخدمة؟
من كان مسؤولاً عن متابعة تركيبها؟
وهل كان التأخير فنياً أم إدارياً أم تعاقدياً؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلاً ثانوياً، لأنها تتعلق مباشرة بكفاءة تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
ثانياً: هل كانت المحطات تعمل ضمن شروط السلامة المطلوبة؟
التحقيق يجب أن يفحص سجلات الصيانة، واختبارات الحماية، وحالة المحولات والقواطع، ونظم الإنذار والإطفاء، وسجلات الأعطال السابقة.
والأهم: هل كانت هناك توصيات فنية سابقة بشأن المحطتين؟ وهل نُفذت؟
ثالثاً: هل كان بالإمكان الحد من آثار الحريق؟
حتى لو ثبت أن الحريق بدأ بسبب عطل لا علاقة له بالتجهيزات المؤجلة، يبقى سؤال آخر:
هل كانت منظومة الحماية والعزل والإطفاء والاستجابة للطوارئ قادرة على منع امتداد الضرر؟
فاللجنة الحكومية مكلفة أيضاً بتقييم عمليات إطفاء الحرائق وإعادة الخدمة ومتطلبات تأهيل المحطتين، وهو ما يجعل هذا الجانب جزءاً رسمياً من التحقيق.
من المسؤول إذا ثبت وجود تقصير؟
هنا ينبغي التفريق بين المسؤولية عن الحريق والمسؤولية عن حالة المنظومة.
قد لا يكون الشخص أو الجهة المسؤولة عن تأخر مشروع أو تركيب معدات هو نفسه المسؤول عن اندلاع الحريق.
وقد لا يكون الحريق ناتجاً أصلاً عن ذلك التأخير.
لكن إذا أثبت التحقيق أن هناك معدات ضرورية ظلت خارج الخدمة دون مبرر، أو أن صيانة أساسية لم تنفذ، أو أن تحذيرات فنية تم تجاهلها، فإن المسؤولية الإدارية والفنية تصبح مسألة منفصلة ينبغي تحديدها.
ولهذا فإن إعلان الحكومة أن التحقيق سيبحث في مسؤولية الجهات العمومية والموردين وشركات التنفيذ ومكاتب الدراسات والوسطاء مهم للغاية؛ لأنه يوسع دائرة التحقيق بعيداً عن تحميل المسؤولية تلقائياً لجهة واحدة.
المفارقة الأكبر
المفارقة ليست أن محطتين قديمتين احترقتا.
المفارقة أن البلاد كانت، وفق التصريحات الحكومية، في مرحلة تنفيذ برامج لتحديث وتعزيز الشبكة، ومع ذلك ظلت تجهيزات أساسية خارج الخدمة.
وهنا يتحول السؤال من:
«من تسبب في الحريق؟»
إلى:
«لماذا لم تكن الشبكة أكثر استعداداً لمواجهة مثل هذا الحادث؟»
وهذا السؤال أكثر أهمية من الناحية المؤسسية، لأنه يتعلق بطريقة إدارة قطاع الكهرباء على مدى سنوات، وليس بحادث وقع في يومين فقط.
لا اتهام قبل التحقيق.. ولا إعفاء من الأسئلة
من المهم التأكيد أن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تثبت وجود علاقة سببية بين التجهيزات غير المركبة وحرائق المحطتين.
كما لا توجد، حتى الآن، نتيجة رسمية تقول إن الحريق كان عملاً متعمداً أو مرتبطاً بصفقة بعينها.
لكن غياب الدليل النهائي لا يعني غياب الأسئلة.
بل إن وظيفة التحقيق المستقل هي تحديد ما إذا كان هناك خلل فني، أو إداري، أو تعاقدي، أو تقصير في الصيانة، أو قصور في أنظمة الحماية، أو اجتماع أكثر من عامل في وقت واحد.
الخلاصة
تصريحات الحكومة قدمت معلومة قد تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في الحقيقة تفتح ملفاً أكبر:
محطات استراتيجية شُيدت قبل أكثر من عشر سنوات، وتجهيزات اقتُنيت لتعزيز الشبكة لكنها لم تدخل الخدمة بالكامل، ثم يأتي حريقان متتاليان ليكشفا مدى اعتماد العاصمة على منظومة أصبحت شديدة الحساسية أمام الأعطال.
لذلك فإن نجاح لجنة التحقيق لن يقاس فقط بقدرتها على تحديد مصدر النار، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب:
هل كان حريق المحطتين حادثاً استثنائياً أصاب منظومة سليمة، أم أن الحريق كشف اختلالات تراكمت داخل منظومة كانت تحتاج إلى إصلاح قبل أن تصل إلى هذه اللحظة؟
وإذا استطاعت اللجنة الإجابة عن هذا السؤال بالأرقام والوثائق وسجلات الصيانة والعقود ومحاضر الاستلام، فإن التحقيق سيكون قد تجاوز البحث عن «كبش فداء» إلى كشف الحقيقة الكاملة عن إدارة شبكة الكهرباء في نواكشوط.
اليوم السابع الموريتاني
زر الذهاب إلى الأعلى