آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

لماذا لم يُعد ترامب إيران إلى “العصر الحجري”؟.. بين القوة العسكرية وحسابات السياسة الدولية

لماذا لم يُعد ترامب إيران إلى "العصر الحجري"؟.. بين القوة العسكرية وحسابات السياسة الدولية

لماذا لم يُعد ترامب إيران إلى “العصر الحجري”؟.. بين القوة العسكرية وحسابات السياسة الدولية

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني

رغم الخطاب الحاد الذي ميّز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران خلال ولايته، ورغم الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضتها إدارته، فإن واشنطن لم تقدم على شن حرب شاملة تؤدي إلى تدمير إيران أو “إعادتها إلى العصر الحجري”، كما يصف البعض. فما الذي حال دون ذلك؟

الجواب لا يتعلق بضعف الولايات المتحدة عسكريًا، بل بتشابك الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تجعل قرار الحرب الشاملة أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك القوة.

إيران ليست دولة صغيرة

تبلغ مساحة إيران أكثر من 1.6 مليون كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، وتمتلك قوات برية وبحرية وجوية، إضافة إلى ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لذلك فإن أي حرب تهدف إلى تدمير إيران بالكامل لن تكون عملية عسكرية خاطفة، بل قد تتحول إلى حرب طويلة تستنزف القوات الأمريكية وتكلف مليارات الدولارات وآلاف الضحايا.

شبكة النفوذ الإقليمي

تملك إيران نفوذًا سياسيًا وعسكريًا في عدة دول بالمنطقة، من خلال حلفاء وشركاء محليين. وهذا يعني أن أي مواجهة واسعة قد تمتد إلى ساحات متعددة، بما فيها العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد تؤثر أيضًا في أمن الملاحة بالبحر الأحمر والخليج العربي.

ولهذا فإن أي قرار أمريكي بالحرب يجب أن يأخذ في الحسبان احتمال اتساع دائرة الصراع، وليس فقط المواجهة داخل الأراضي الإيرانية.

الاقتصاد العالمي سيدفع الثمن

يمر جزء كبير من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر بحري بالغ الأهمية.

وأي حرب شاملة قد تؤدي إلى اضطراب حركة الملاحة وارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل حاد، الأمر الذي سينعكس على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، ويرفع معدلات التضخم ويؤثر في الأسواق المالية.

ولهذا تميل الإدارات الأمريكية، مهما بلغت حدة خلافها مع إيران، إلى تجنب سيناريو الحرب المفتوحة.

التجربة الأمريكية في الشرق الأوسط

خاضت الولايات المتحدة حروبًا طويلة في العراق وأفغانستان، وأنفقت تريليونات الدولارات دون أن تحقق جميع أهدافها السياسية.

وقد ولّد ذلك داخل الولايات المتحدة تيارًا واسعًا يرفض الانخراط في حروب جديدة، وهو ما جعل أي رئيس أمريكي، بمن فيهم ترامب، أكثر حذرًا في اتخاذ قرار قد يقود إلى نزاع طويل.

استراتيجية ترامب: “الضغط الأقصى”

بدلًا من الحرب الشاملة، اختارت إدارة ترامب سياسة “الضغط الأقصى”، والتي تضمنت:

  • فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة.

  • استهداف مصادر تمويل إيران.

  • تشديد العزلة الدبلوماسية.

  • تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، أبرزها استهداف قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في بغداد عام 2020.

  • تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج عند تصاعد التوتر.

وكان الهدف المعلن هو دفع إيران إلى تغيير سلوكها وتقليص قدراتها، وليس احتلالها أو تدميرها بالكامل.

هل تستطيع أمريكا فعل ذلك عسكريًا؟

من الناحية العسكرية، تمتلك الولايات المتحدة قدرات هائلة تمكنها من توجيه ضربات مدمرة للبنية العسكرية الإيرانية.

لكن تدمير دولة بحجم إيران بشكل كامل لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على تقدير العواقب السياسية والاقتصادية والإنسانية. وحتى لو ألحقت واشنطن أضرارًا جسيمة بإيران، فإن ذلك لا يعني انتهاء الصراع، إذ قد تدخل المنطقة في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.

لماذا لم يختر ترامب الحرب؟

رغم صورته كرئيس يتخذ قرارات حاسمة، فإن ترامب كان يكرر في أكثر من مناسبة أنه لا يرغب في إدخال الولايات المتحدة في حروب جديدة مكلفة، وأنه يفضل استخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية لتحقيق أهدافه.

لذلك بقي الخيار العسكري بالنسبة لإدارته وسيلة للردع والضغط، أكثر منه مشروعًا لإسقاط النظام الإيراني أو تدمير الدولة.

هل يمكن أن يتغير الموقف مستقبلاً؟

يبقى ذلك مرتبطًا بتطور الأحداث. فإذا شهدت المنطقة تصعيدًا كبيرًا يهدد المصالح الأمريكية أو حلفاءها بصورة مباشرة، فقد تلجأ واشنطن إلى عمليات عسكرية أوسع. ومع ذلك، يرى كثير من المحللين أن احتمال شن حرب تهدف إلى “إعادة إيران إلى العصر الحجري” يظل ضعيفًا، بسبب الكلفة الباهظة والمخاطر الإقليمية والدولية.

خلاصة

السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة العسكرية على توجيه ضربات مدمرة لإيران، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمل نتائج ذلك. وحتى الآن، ظلت الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية تدفع واشنطن إلى تفضيل سياسة الردع والضغط على خيار الحرب الشاملة، لأن كلفة الانتصار قد تكون، في نظر صناع القرار، أعلى من كلفة تجنب الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى