آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

رواية بلا دليل.. معطيات تفنّد مزاعم «مراقبة» تحركات ولد حدمين

رواية بلا دليل.. معطيات تفنّد مزاعم «مراقبة» تحركات ولد حدمين

رواية بلا دليل.. معطيات تفنّد مزاعم «مراقبة» تحركات ولد حدمين

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينة تتضمن سلسلة من الادعاءات السياسية والأمنية الخطيرة، زعمت أن رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني استدعى الوزير الأول السابق المهندس يحيى ولد حدمين إلى القصر الرئاسي، وأن الوزير الأول الحالي السيد المختار ولد أجاي، وبعد علمه بذلك اللقاء، أصدر تعليمات لمفوضة الأمن الغذائي السيدة فاطمة بنت خطري بالتوجه إلى مسقط رأسها لمراقبة تحركات ولد حدمين ومنع أي استقطاب سياسي لصالحه. والحقيقة أن قراءة هذا المنشور بعين سياسية هادئة تكشف أن الأمر لا يتعلق بخبر مكتمل الأركان، وإنما بسردية سياسية مركبة تقوم على ادعاءات متلاحقة لا يقدم صاحبها دليلاً واحداً عليها. أول ما يلفت الانتباه في المنشور أنه بنى جزءاً أساسياً من روايته على القول إن يحيى ولد حدمين «وصل إلى النعمة بالأمس على متن الموريتانية للطيران». وهذه المعلومة، وفق المعطيات المتوفرة، غير صحيحة. فالوزير الأول السابق المهندس يحيى ولد حدمين موجود خارج العاصمة نواكشوط منذ ثمانية أيام، وبالتالي فإن تقديم الأمر للرأي العام على أنه وصل إلى النعمة «بالأمس» لا ينسجم مع الواقع الذي تؤكده المعطيات المتوفرة. وهنا تسقط حلقة أساسية من القصة التي حاول صاحب المنشور بناء بقية الأحداث عليها؛ لأن الرواية عندما تبدأ بمعلومة زمنية غير صحيحة، فإن كل ما يُبنى عليها يصبح بحاجة إلى دليل مستقل، وليس إلى مجرد الاسترسال في الحكاية. المنشور يتحدث عن «استدعاء» رئيس الجمهورية للوزير الأول السابق، ثم يجعل من هذا اللقاء المفترض نقطة الانطلاق لكل التطورات اللاحقة. لكن أين الدليل؟ لا يقدم المنشور أي تاريخ محدد للقاء، ولا مصدرًا رسميًا، ولا صورة، ولا تصريحًا، ولا حتى معلومة يمكن التحقق منها تثبت حدوث هذا اللقاء بالصورة التي قدمها. في السياسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الجمهورية ومسؤول سابق رفيع المستوى، فإن الادعاء بوجود لقاء في القصر الرئاسي ليس خبراً عادياً يمكن إطلاقه دون مصدر. وحتى لو افترضنا جدلاً حدوث لقاء بين رئيس الجمهورية ومسؤول سابق، فإن تحويل ذلك اللقاء إلى دليل على وجود «مخطط سياسي» أو «استقطاب جماهيري» يحتاج إلى وقائع أخرى، لا إلى التخمين. المنشور يذهب أبعد من ذلك، فيزعم أن الوزير الأول المختار ولد أجاي اتصل بمفوضة الأمن الغذائي وأمرها بالتوجه فوراً إلى مسقط رأسها لمراقبة تحركات ولد حدمين. فهو لا يتحدث عن نشاط سياسي عادي، بل ينسب إلى رئيس الحكومة توجيه مسؤول حكومي لاستعمال موقعه ونفوذه الوظيفي في مراقبة شخصية سياسية. مثل هذا الادعاء يحتاج إلى دليل واضح ومباشر، لأن مجرد القول إن «مصادر» أو «معلومات» تحدثت عن ذلك لا يحوله إلى حقيقة. والأكثر إثارة للاستغراب أن المنشور لم يقدم تسجيلاً، ولا وثيقة، ولا تصريحاً من المفوضة، ولا شاهداً، ولا أي معطى يمكن من خلاله التحقق من صحة هذه الرواية. إن الانتقال من الشك السياسي إلى الاتهام المباشر دون أدلة هو بالضبط ما يجعل مثل هذه المنشورات أقرب إلى الدعاية السياسية منها إلى العمل الصحفي. يحاول صاحب المنشور تقوية روايته بالحديث عن العطلة السنوية لمفوضة الأمن الغذائي، ثم يربط مغادرتها المفترضة للعاصمة بتكليف سياسي من الوزير الأول. وهذا أيضاً استنتاج لا يستند إلى دليل. وجود مسؤول حكومي في منطقة معينة لا يعني تلقائياً أنه ذهب إليها لمراقبة خصم سياسي. المسؤولون لديهم ارتباطات إدارية واجتماعية وأسرية ومهنية متعددة، كما أن وجود أي مسؤول في ولايته أو مسقط رأسه لا يمكن تحويله، بمجرد الظن، إلى «مهمة أمنية» أو «مهمة سياسية». والأخطر أن المنشور يقدم النتيجة للقارئ باعتبارها حقيقة، بينما لا يقدم أي دليل على المقدمة التي أوصلته إليها. عبارة تكشف طبيعة الخطاب المستخدم في المنشور. فالكاتب لا يكتفي بالقول إن هناك تحركات سياسية، بل يتحدث عن «إحكام السيطرة على القواعد الشعبية» و«رصد التحركات واللقاءات» و«منع الاستقطاب الجماهيري». إنها مفردات تُستخدم لصناعة صورة ذهنية مفادها أن الدولة وأجهزتها ومسؤوليها دخلوا في مواجهة مباشرة مع شخصية سياسية. لكن أين الوقائع التي تثبت ذلك؟ لا توجد في المنشور واقعة محددة واحدة يمكن للقارئ التحقق منها. لا اجتماع محدد، ولا شخص محدد قال إنه تعرض للمنع، ولا نشاط سياسي تم إيقافه، ولا قرار إداري صدر بهذا الشأن. وبالتالي يبقى الأمر مجرد رواية مرسلة. من الواضح أن الهدف الأعمق من هذه الرواية ليس مجرد نقل خبر عن زيارة أو تحرك. المنشور يحاول تقديم صورة عن وجود صراع داخل مؤسسات الدولة، وعن أن مسؤولين حكوميين يتم تحويلهم إلى أدوات لمواجهة خصوم سياسيين. وهذه صورة خطيرة، لأنها تتجاوز النقد السياسي المشروع إلى صناعة رواية عن مؤسسات الدولة دون تقديم أدلة. والسياسة الموريتانية، مثل أي ساحة سياسية، تعرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى