الحوار عند عقدة الرئاسة: لماذا ينتظر ولد محمد لغظف ردود المعارضة على استمرار موسى فال؟
الحوار عند عقدة الرئاسة: لماذا ينتظر ولد محمد لغظف ردود المعارضة على استمرار موسى فال؟

الحوار عند عقدة الرئاسة: لماذا ينتظر ولد محمد لغظف ردود المعارضة على استمرار موسى فال؟
تحقيق صحفي – اليوم السابع الموريتاني
دخل مسار الحوار الوطني الموريتاني منعطفًا جديدًا، لم تعد فيه الخلافات مرتبطة بمحاوره أو وثيقته المرجعية، بقدر ما باتت تدور حول الشخصية التي ستقود مرحلته التنفيذية، والصلاحيات التي ستُمنح للجنة المشرفة عليه.
فبعد تسلّم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وثيقة الحوار الوطني من المنسق موسى فال ورؤساء الأقطاب السياسية، برز مقترح بإسناد رئاسة لجنة الإشراف على الحوار إلى المنسق نفسه. وبينما أيدت أطراف المقترح، طلب قطبا المعارضة مهلة للعودة إلى هيئاتهما الحزبية، وسط معلومات تفيد بتكليف الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولاي ولد محمد لغظف باستلام الردود النهائية.
ما الذي ثبت رسميًا؟
المؤكد أن الرئيس ولد الشيخ الغزواني استقبل، يوم 24 يوليو 2026، منسق الحوار موسى فال ورؤساء الأقطاب السياسية المشاركة، وتسلم منهم وثيقة تتضمن خلاصات المشاورات ومخرجات المرحلة التحضيرية. ووصف المكتب الإعلامي للرئاسة تسليم الوثيقة بأنه بداية مرحلة جديدة من مسار الحوار، دون أن يتطرق بيانه المنشور إلى هوية رئيس لجنة الإشراف أو إلى وجود خلاف بشأنها.
وتضم الوثيقة المرجعية أربعة محاور رئيسية، هي: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات. وكانت الأطراف السياسية قد وقعت الوثيقة قبل أيام، بعد أشهر من التفاوض والتجاذب، خصوصًا حول ملف المأموريات والمواد الدستورية المحصنة.
أما مسألة تكليف مولاي ولد محمد لغظف باستلام ردود المعارضة، فقد وردت في روايات إعلامية وتدوينات متداولة، لكنها لم تظهر، حتى وقت إعداد هذا التحقيق، في بيان رسمي صادر عن الرئاسة أو الوكالة الموريتانية للأنباء. ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها معلومة من مصادر سياسية في انتظار تأكيد رسمي أو صدور مواقف الأطراف المعنية.
ماذا جرى داخل الاجتماع؟
تتقاطع روايتا «صحراء ميديا» و«وكالة الأخبار المستقلة» عند نقاط أساسية: الرئيس اقترح استمرار موسى فال في قيادة المسار من خلال رئاسة لجنة الإشراف، وطلب منه مغادرة الاجتماع قبل فتح النقاش حول شخصه، فيما أحجمت أطراف عدة عن إعلان موافقة نهائية قبل التشاور الداخلي.
لكن الروايتين تختلفان في توصيف مستوى الاعتراض.
فبحسب «صحراء ميديا»، لم يعلن الحاضرون رفضًا مباشرًا، وقال رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية أحمد ولد داداه إن «الصمت علامة الرضى»، بينما طلب رئيس مؤسسة المعارضة الديمقراطية أمادي ولد سيدي المختار، ورئيس ائتلاف المعارضة محمد ولد مولود، وقتًا للتشاور مع الأحزاب المنضوية تحت القطبين.
أما «وكالة الأخبار» فتحدثت عن «تحفظ سياسي» شمل أطرافًا في المعارضة والموالاة، مؤكدة أن رئيس حزب الإنصاف محمد ولد بلال أيد المقترح، في حين طالب رئيس حزب الإصلاح محمد ولد طالبنا بعدم التسرع، وقدم ملاحظات على إدارة المرحلة التحضيرية، من بينها طريقة إشراك المستقلين ومنظمات المجتمع المدني، وعدد الشخصيات التي قال المنسق إنه التقاها.
ولا يعني اختلاف الروايتين بالضرورة أن إحداهما تنفي الأخرى؛ فقد تكون «صحراء ميديا» ركزت على مواقف رؤساء الأقطاب، بينما نقلت «الأخبار» تفاصيل مداخلات ممثلي أحزاب داخل الأغلبية. لكنه يكشف غياب محضر رسمي مفصل، ويفتح المجال أمام كل طرف لتقديم الاجتماع من زاويته السياسية.
لماذا موسى فال؟
برر الرئيس، وفق المصادر الإعلامية، اقتراح استمرار موسى فال بكونه أدار المراحل السابقة، واطلع على تفاصيل الخلافات ومواقف الأحزاب، وأن إسناد المهمة إلى شخصية جديدة قد يعيد النقاش إلى نقطة البداية أو يخلق عقبات مرتبطة بفهم الوثيقة وآليات تنفيذها.
ويحمل هذا التبرير منطق «استمرارية المسار»: فموسى فال تولى التنسيق منذ مارس 2025، وأدار المشاورات التي انتهت بتوقيع الوثيقة المرجعية. كما أن اختياره في الأصل قُدم باعتباره شخصية ذات خلفية معارضة وقابلية للتواصل مع مختلف الأطراف.
لكن الاعتراضات لا تبدو موجهة إلى شخصه فقط، بل إلى جمع مرحلتي التحضير والتنفيذ في يد واحدة. فالمنسق الذي صاغ التسويات وقرب المقترحات سيصبح، وفق المقترح، رئيسًا للجنة التي ستشرف على إدارة الجلسات وترتيب المشاركين ومتابعة المخرجات؛ وهو ما يدفع بعض القوى إلى المطالبة بضمانات أوضح بشأن حدود صلاحياته.
ماذا يعني دخول ولد محمد لغظف على الخط؟
إذا تأكد تكليف مولاي ولد محمد لغظف باستلام ردود الأقطاب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إزاحة موسى فال أو تعيين ولد محمد لغظف منسقًا بديلًا. الأرجح أنه سيؤدي دور قناة مؤسسية بين الرئيس والأطراف السياسية، بحكم منصبه وزيرًا أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية. وقد أكدت مصادر رسمية استمرار ولد محمد لغظف في هذا المنصب وقيامه بمهام باسم رئيس الجمهورية.
اختيار ولد محمد لغظف لهذه المهمة، إن صح، يحمل ثلاث رسائل محتملة:
أولها أن الرئيس يريد ردودًا مكتوبة أو واضحة، بدل بقاء المقترح معلقًا داخل الاجتماعات. وثانيها أن الملف انتقل من مرحلة الوساطة السياسية التي قادها موسى فال إلى مرحلة القرار المؤسسي داخل الرئاسة. أما الرسالة الثالثة فهي منح المعارضة مساحة للتشاور دون الضغط عليها لإعلان موقف فوري أمام الرئيس.
ومع ذلك، فإن بروز ولد محمد لغظف قد يعيد إلى الأذهان أدواره السابقة في إدارة ملفات الحوار السياسي، ما يجعله شخصية مألوفة لدى قادة المعارضة، لكنه قد يثير أيضًا تساؤلات حول ما إذا كانت الرئاسة بدأت إعداد خيارات بديلة تحسبًا لعدم حصول موسى فال على إجماع كامل.
لماذا تتريث المعارضة؟
طلبُ التشاور لا يساوي الرفض، لكنه يكشف حساسية القرار. فرئيس مؤسسة المعارضة ورئيس ائتلافها لا يستطيعان، سياسيًا وتنظيميًا، الموافقة على شخصية رئيس اللجنة دون العودة إلى الأحزاب التي يمثلانها، خصوصًا بعدما أصبح الحوار مرتبطًا بملفات دستورية وانتخابية شديدة الحساسية.
وسبق للمعارضة أن رفضت إدراج أي نقاش قد يمهد لمأمورية رئاسية ثالثة، وطالبت بضمانات سياسية واضحة، وبأن يؤدي الحوار إلى إصلاحات ملموسة بدل الاكتفاء بتوصيات غير ملزمة.
ومن ثم، قد تطالب المعارضة قبل الموافقة على موسى فال بتحديد تركيبة لجنة الإشراف، وطريقة اتخاذ قراراتها، ونسبة تمثيل الموالاة والمعارضة، وآلية اختيار المجتمع المدني والمستقلين، وضمان تنفيذ المخرجات ضمن آجال محددة.
هل الأغلبية موحدة؟
التفاصيل المنشورة توحي بأن الموالاة ليست كتلة واحدة في هذا الملف. فرئيس حزب الإنصاف أيد استمرار موسى فال، لكن رئيس حزب الإصلاح، وهو ضمن منسقية الأغلبية، طالب بالتريث وأبدى ملاحظات على المرحلة السابقة.
وهذا التباين مهم؛ لأنه يحول القضية من خلاف تقليدي بين السلطة والمعارضة إلى نقاش أوسع بشأن إدارة الحوار نفسه. وقد تجد المعارضة في تحفظات بعض أحزاب الموالاة فرصة للمطالبة بإعادة ضبط اللجنة، بدل الدخول في مواجهة مباشرة حول اسم رئيسها.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأقرب هو موافقة قطبي المعارضة على موسى فال مقابل ضمانات تتعلق بتشكيلة اللجنة وصلاحياتها واتخاذ القرارات بالتوافق.
أما السيناريو الثاني فهو الاتفاق على شخصية أخرى تحظى بإجماع أوسع، مع الإبقاء على موسى فال عضوًا أو مستشارًا لضمان استمرارية العمل الذي أنجزه.
ويظل السيناريو الثالث هو استمرار الخلاف وتأجيل انطلاق الحوار، خصوصًا أن الأطراف اقترحت بدء جلساته في أكتوبر أو نوفمبر بعد العطلة الصيفية، بينما طلب الرئيس إنهاء المسار وبدء تنفيذ مخرجاته قبل نهاية عام 2026.
الخلاصة
القضية لم تعد مجرد اختيار بين موسى فال وشخصية أخرى، بل أصبحت اختبارًا لمدى قدرة السلطة والمعارضة على بناء مؤسسة حوارية تقوم على قواعد مكتوبة، لا على الثقة الشخصية وحدها.
ولد محمد لغظف ينتظر الردود، وفق المعلومات المتداولة، لكن الرد الحقيقي الذي ينتظره الرأي العام أوسع من «نعم» أو «لا» لموسى فال: ما صلاحيات لجنة الإشراف؟ من يختار أعضاءها؟ كيف تتخذ قراراتها؟ وهل ستكون مخرجات الحوار ملزمة وقابلة للتنفيذ؟
من دون إجابات واضحة، قد يصبح الخلاف حول رئيس اللجنة أول أزمة في حوار لم تبدأ جلساته الفعلية بعد. أما إذا تحولت المشاورات الحالية إلى اتفاق مفصل وشفاف، فقد يكون هذا التريث أول ضمانة لجدية المسار، لا أول علامة على تعثره.



