شركات الإسمنت في موريتانيا.. استثمارات كبيرة ووظائف محدودة؟
اليوم السابع الموريتاني – تحقيق
يُنظر إلى صناعة الإسمنت باعتبارها إحدى الصناعات التي يفترض أن تساهم في تقليص الاعتماد على الواردات، ودعم قطاع البناء، وخلق فرص عمل للشباب الموريتاني.
لكن عند النظر إلى أعداد الوظائف التي أعلنت عنها شركات الإسمنت العاملة في موريتانيا، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل حجم الاستثمارات والطاقة الإنتاجية في قطاع الإسمنت يوازي فعلاً حجم فرص العمل التي يوفرها؟
أرقام متباينة
تُظهر البيانات المنشورة أن شركة MAFCI تقول إنها تشغل أكثر من 150 موظفاً في أنشطة الإسمنت ومواد البناء، بينما تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 400 ألف طن سنوياً.
أما Mauricim، التي تعمل في موريتانيا منذ 2008، فتعلن عن فريق يضم 70 موظفاً و130 عاملاً مؤقتاً، أي نحو 200 عامل، مع قدرة إنتاجية تصل إلى 650 ألف طن من الإسمنت سنوياً، إضافة إلى إنتاج الخرسانة.
وبالنسبة إلى Ciment de Mauritanie، فإن وثيقة رسمية ضمن الجرد الوطني للانبعاثات تشير إلى أن الشركة كانت تشغل 214 شخصاً، فيما تشير الوثيقة نفسها إلى أن BSA Ciment كانت تضم آنذاك 70 موظفاً. وهذه أرقام تاريخية وليست بالضرورة تعكس الوضع الحالي.
وظائف معلنة لمشاريع جديدة
الأرقام تصبح أكثر إثارة للاهتمام عند النظر إلى المشاريع الجديدة.
ففي عام 2021، وافقت الحكومة على اتفاقية تأسيس مع Chinguity Ciment لإنشاء وحدة لإنتاج الإسمنت في نواكشوط، مع إعلان خلق 50 وظيفة مباشرة و200 وظيفة غير مباشرة.
كما وافقت على اتفاقية توسعة نشاط Ciment de Mauritanie، مع الإعلان عن 50 وظيفة مباشرة و200 وظيفة غير مباشرة.
وفي 2024، رُخّص لشركة Cimenterie de Mauritanie d’Aleg بإنشاء مصنع بطاقة إنتاجية تبلغ 500 ألف طن سنوياً، باستثمار معلن قدره 465.75 مليون أوقية جديدة، مع توقع خلق 90 وظيفة مباشرة و200 وظيفة غير مباشرة.
المفارقة
هذه الأرقام تكشف طبيعة صناعة الإسمنت الحديثة: الاستثمار فيها كثيف رأس المال أكثر مما هو كثيف العمالة.
فمصنع قادر على إنتاج مئات آلاف الأطنان سنوياً لا يحتاج بالضرورة إلى آلاف العمال، لأن جزءاً كبيراً من عمليات الطحن والتخزين والتعبئة والنقل أصبح يعتمد على المعدات والآلات.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم:
كم وظيفة موريتانية دائمة وفعلية خلقها القطاع حتى الآن، وليس كم وظيفة وُعد بها عند توقيع اتفاقيات الاستثمار؟
فالخلط بين الوظائف المباشرة، والوظائف المؤقتة، والوظائف غير المباشرة، والوظائف التي يتوقع خلقها مستقبلاً يجعل من الصعب تقييم الأثر الحقيقي لهذه الاستثمارات على سوق العمل.
من المستفيد الأكبر؟
قطاع الإسمنت لا يقتصر أثره على عمال المصانع. فهناك وظائف مرتبطة بالنقل، والمناولة، والتوزيع، والصيانة، وقطع الغيار، والمختبرات، والمقاولات والخدمات اللوجستية.
لكن هذه الوظائف تحتاج إلى قياس مستقل، حتى لا تتحول عبارة “خلق مئات الوظائف غير المباشرة” إلى رقم دعائي يصعب التحقق منه.
وفي المقابل، فإن ارتفاع الطاقة الإنتاجية المحلية يمكن أن تكون له فوائد اقتصادية أخرى، مثل تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوفير مادة أساسية لقطاع البناء، وتعزيز الصناعات المرتبطة به.
الخلاصة
المعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن شركات الإسمنت في موريتانيا خلقت آلاف الوظائف المباشرة.
بل تشير الأرقام المنشورة إلى أن الشركات الرئيسية توظف مئات العمال المباشرين، بينما تُضاف إليها أعداد أخرى من العمال المؤقتين والوظائف غير المباشرة.
وهنا تبرز الحاجة إلى كشف وطني دقيق من وزارة المعادن والصناعة يجيب عن أربعة أسئلة:
كم عدد العاملين فعلياً في مصانع الإسمنت في موريتانيا؟
كم منهم موريتانيون وكم منهم أجانب؟
كم وظيفة دائمة وكم وظيفة مؤقتة؟
وما حجم الضرائب والرسوم التي تدفعها هذه الشركات مقارنة بحجم إنتاجها واستثماراتها؟
فليس المطلوب التقليل من أهمية صناعة الإسمنت، وإنما قياس مردودها الحقيقي على الاقتصاد والمواطن، بعيداً عن أرقام الاستثمار والطاقة الإنتاجية وحدها.
ملاحظة تحريرية: الأفضل في النشر أن نستخدم عبارة «الأرقام المنشورة» بدلاً من تقديم رقم إجمالي واحد، لأن بعض البيانات قديمة وبعضها يتعلق بوظائف متوقعة.
المصادر
شركة MAFCI – الموقع الرسمي�
Mauricim – الموقع الرسمي�
بيان Mauricim حول عدد العاملين�
وكالة الأنباء الموريتانية – اتفاقيات Chinguity Ciment وCiment de Mauritanie�
بيانات مشروع مصنع إسمنت ألاك�
الجرد الوطني للانبعاثات – بيانات صناعة الإسمنت والعمالة التاريخية�
وزارة المعادن والصناعة – وضع إنتاج الإسمنت في 2026�
زر الذهاب إلى الأعلى