آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

لماذا يعجز رجال أعمال موريتانيا عن خلق وظائف حقيقية؟

لماذا يعجز رجال أعمال موريتانيا عن خلق وظائف حقيقية؟

لماذا يعجز رجال أعمال موريتانيا عن خلق وظائف حقيقية؟

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني

في موريتانيا، لا تبدو المشكلة في غياب المال بقدر ما تبدو في غياب النموذج الاقتصادي القادر على تحويل المال إلى إنتاج ووظائف مستقرة.
فقد استطاع رجال الأعمال خلال العقود الماضية بناء ثروات وشركات وشبكات تجارية واسعة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين المصانع؟ أين الشركات الإنتاجية الكبرى؟ وأين آلاف الوظائف الدائمة التي يفترض أن تخلقها هذه الثروات؟
السؤال ليس اتهاماً لرجال الأعمال جميعاً، وإنما هو سؤال اقتصادي مشروع: لماذا لا يتحول النشاط الخاص بالحجم الكافي إلى محرك حقيقي للتشغيل؟
اقتصاد يتحرك أكثر مما ينتج
تكمن إحدى مشكلات الاقتصاد الموريتاني في أن جزءاً كبيراً من النشاط الخاص ما يزال مرتبطاً بالتجارة والاستيراد والخدمات والصفقات، وهي أنشطة يمكن أن تحقق أرباحاً مهمة، لكنها لا تخلق بالضرورة العدد نفسه من الوظائف الذي يمكن أن يخلقه التصنيع والزراعة الحديثة والصناعات التحويلية.
وتشير دراسة للبنك الدولي حول النمو والوظائف في موريتانيا إلى أن أكثر من 90% من القوة العاملة تعمل في القطاع غير الرسمي، بينما تنمو الشركات الرسمية بوتيرة متواضعة، وهو ما يحد من الإنتاجية والابتكار والتوسع.
وهنا تظهر المفارقة: اقتصاد يملك رجال أعمال، لكنه لا يملك بالقدر نفسه شركات إنتاجية كبيرة قادرة على استيعاب الشباب.
لماذا يفضل رأس المال التجارة؟
الاستثمار في مصنع أو مشروع زراعي كبير أو شركة صناعية يحتاج إلى صبر وتمويل طويل الأجل، وتوفير الكهرباء والمياه والنقل والعمالة المؤهلة، ثم انتظار سنوات حتى تظهر النتائج.
أما التجارة، فقد تمنح المستثمر دورة رأسمالية أسرع ومخاطر أقل.
وهذا ليس عيباً أخلاقياً في حد ذاته؛ إنه سلوك اقتصادي طبيعي عندما تكون البيئة الاستثمارية أكثر مكافأة للتجارة من الإنتاج.
ولهذا فإن تحميل رجال الأعمال وحدهم مسؤولية البطالة سيكون تبسيطاً للمشكلة.
الدولة أيضاً مسؤولة عن نوع الحوافز التي يصنعها الاقتصاد.
المشكلة الأكبر: ضعف الاستثمار طويل الأجل
البنك الدولي يرى أن تنويع الاقتصاد الموريتاني يحتاج إلى تعزيز القطاع الخاص، وتحسين البنية التحتية ورأس المال البشري والإطار التنظيمي، مع تطوير قطاعات مثل الزراعة والصيد والطاقة والخدمات الرقمية.
كما أن ما يقارب نصف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يواجه محدودية في الوصول إلى التمويل، وفق مؤسسة التمويل الدولية، وهو ما يحد من قدرتها على النمو وخلق وظائف جديدة.
وهنا ينبغي طرح سؤال مختلف:
هل نريد رجل أعمال يحقق أرباحاً فقط، أم نريد رأسمالياً يبني مؤسسة تستمر بعده؟
فالاقتصاد الحديث لا يقيس نجاح المستثمر بحجم ممتلكاته وحده، وإنما بقدرته على بناء شركة منتجة، وتوظيف العمال، وتدريبهم، والتوسع، والتصدير.
الثروة المعدنية وحدها لا تكفي
تمتلك موريتانيا موارد هائلة في الحديد والذهب والغاز والأسماك، إضافة إلى إمكانات زراعية وطاقة شمسية وريحية كبيرة.
لكن القطاعات الاستخراجية، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها حل مشكلة التشغيل؛ فهي بطبيعتها كثيفة رأس المال مقارنة بعدد العمال الذين تحتاجهم.
ولهذا يشدد البنك الدولي على ضرورة الانتقال من الاعتماد على الصناعات الاستخراجية إلى تنويع القاعدة الإنتاجية.
فبدلاً من تصدير السمك، لماذا لا تتوسع موريتانيا في التصنيع الغذائي؟
وبدلاً من تصدير الخام، لماذا لا تتطور الصناعات المرتبطة بالمعادن؟
وبدلاً من استيراد جزء كبير من الغذاء، لماذا لا يتحول الاستثمار الخاص إلى الزراعة الحديثة وسلاسل التخزين والتصنيع والتوزيع؟
هناك مؤشرات على إمكانية التغيير
ليس صحيحاً أن القطاع الخاص عاجز بطبيعته.
فبموجب قانون الاستثمار الجديد، تمت الموافقة منذ يوليو 2025 على 19 مشروعاً استثمارياً بحجم معلن يقارب 120 مليون دولار، مع توقع خلق نحو 939 وظيفة مباشرة.
وهذا الرقم مهم، ليس لأنه ضخم مقارنة بحجم مشكلة التشغيل، وإنما لأنه يكشف أن تحويل الاستثمار إلى وظائف ممكن عندما تتوفر المشاريع والتمويل والإطار المناسب.
كما أن مؤسسة التمويل الدولية أعلنت في 2025 عن تمويل بقيمة 30 مليون دولار لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر بنك الأمانة، مع توقع المساهمة في خلق نحو 6100 وظيفة مباشرة وغير مباشرة خلال خمس سنوات.
المطلوب ليس مهاجمة رجال الأعمال
المطلوب هو إعادة تعريف دور رجل الأعمال في الاقتصاد الوطني.
موريتانيا لا تحتاج فقط إلى مستوردين كبار، ولا إلى مقاولين ينتظرون الصفقات، ولا إلى رجال أعمال يكدسون العقارات والأصول.
إنها تحتاج إلى:
رجل أعمال صناعي.
رجل أعمال زراعي.
رجل أعمال في التكنولوجيا.
رجل أعمال في التصنيع السمكي.
رجل أعمال في الصناعات الغذائية.
ورجل أعمال يفكر في التصدير قبل التفكير في السوق المحلية.
وهنا يأتي دور الدولة أيضاً في تغيير قواعد اللعبة: منح حوافز حقيقية للاستثمار المنتج، وتسهيل التمويل طويل الأجل، وتوفير الطاقة، وحماية المنافسة، وربط التعليم والتكوين المهني بحاجات الشركات.
السؤال الذي يجب أن يُطرح
بعد سنوات من الحديث عن تشجيع الاستثمار، ربما آن الأوان لأن نطرح على القطاع الخاص سؤالاً أكثر مباشرة:
كم وظيفة دائمة خلقها رأس مالك؟
وللدولة سؤال موازٍ:
هل صممتَ اقتصاداً يكافئ من ينتج ويوظف أكثر مما يكافئ من يستورد ويتاجر؟
فالهدف النهائي ليس أن يصبح لدينا رجال أعمال أكثر ثراءً، وإنما أن يصبح لدينا اقتصاد أكثر إنتاجاً، وشركات أكثر قدرة على النمو، وشباب يجدون وظيفة حقيقية دون الحاجة إلى انتظار وظيفة حكومية.
موريتانيا تملك المال والموارد والموقع والفرص.
لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المزايا من ثروة خام إلى اقتصاد منتج، ومن اقتصاد منتج إلى وظائف، ومن الوظائف إلى طبقة وسطى قوية.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لرجال الأعمال والدولة معاً.
هذا يصلح كـمقال افتتاحي/تحليلي لليوم السابع الموريتاني، ويمكن أيضاً تحويله إلى نسخة أقصر وأكثر حدة بعنوان: «رجال أعمال أم مستوردون كبار؟ أين ذهبت الوظائف؟».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى