بعد تقرير لجنة التحقيق.. هل أصبحت استقالة الحكومة أو إقالتها ضرورة سياسية؟
اليوم السابع الموريتاني
أعاد تقرير لجنة التحقيق في حريقي محطتي التحويل الكهربائي بنواكشوط فتح النقاش حول المسؤولية السياسية للحكومة، وحدود المساءلة عن الأزمات التي تمس حياة المواطنين وأمنهم ومصالحهم اليومية.
فالحريقان اللذان أصابا منظومة الكهرباء في العاصمة لم يكونا مجرد حادثين فنيين عابرين؛ بل كشفا حجم المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تعطل منشآت حيوية يعتمد عليها السكان والمؤسسات والأنشطة الاقتصادية. ومن هنا، فإن نشر تقرير لجنة التحقيق لا ينبغي أن يكون نهاية الملف، بل بداية مرحلة جديدة من المحاسبة وتحديد المسؤوليات.
من المسؤولية الفنية إلى المسؤولية السياسية
حتى إذا حدد التقرير أسباب الحريقين الفنية أو الإدارية، فإن السؤال السياسي الأوسع يظل مطروحًا: من يتحمل مسؤولية الإشراف على القطاع، ومتابعة جاهزية المنشآت، وضمان سلامة التجهيزات، والاستعداد للطوارئ؟
إن تحديد المسؤولية الفنية المباشرة عن الحريق يختلف عن تحديد المسؤولية الإدارية والسياسية عن الظروف التي أحاطت به. فقد لا يكون المسؤول السياسي هو من تسبب مباشرة في الحادث، لكنه يظل مطالبًا بتفسير ما إذا كانت منظومة الرقابة والمتابعة والاستعداد تعمل بالكفاءة المطلوبة.
ولذلك، فإن التعامل مع التقرير بجدية يقتضي عدم الاكتفاء بمساءلة الموظفين أو الفنيين الذين قد تكشف التحقيقات عن مسؤوليتهم المباشرة، بل النظر أيضًا في مسؤولية القيادات الإدارية والجهات الحكومية المشرفة على القطاع.
لماذا تُطرح إقالة الحكومة؟
إن الدعوة إلى إقالة الحكومة بعد تقرير اللجنة تستند إلى مبدأ سياسي واضح: المسؤولية الحكومية لا تتعلق فقط بمن ارتكب الخطأ، وإنما كذلك بمن يتحمل واجب الإشراف والوقاية والتصحيح.
فإذا أثبت التقرير وجود إخفاقات جسيمة في التسيير أو الرقابة أو تنفيذ الإجراءات الوقائية، وإذا اتضح أن هذه الإخفاقات تقع ضمن مسؤوليات جهات حكومية خاضعة لإشراف الحكومة، فإن المطالبة بتحمل المسؤولية السياسية تصبح مبررة للنقاش العام.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكون استقالة الحكومة أو إقالتها أحد الخيارات المطروحة، إلى جانب إقالة المسؤولين المباشرين، وفتح تحقيقات إدارية أو قضائية عند الاقتضاء، وإلزام الجهات المعنية بتنفيذ إصلاحات واضحة.
لكن تحديد مدى ملاءمة هذا الخيار يظل مرتبطًا بما أثبته التقرير فعلًا، وبحجم الإخفاقات المنسوبة إلى الجهات المعنية، لا بمجرد وقوع الحريقين وحدهما.
تقرير اللجنة.. اختبار لجدية الدولة
إن القيمة الحقيقية لأي لجنة تحقيق لا تقاس بمجرد إعداد تقرير أو عقد اجتماع حكومي لمناقشة نتائجه، بل بما يترتب عليه من قرارات وإجراءات قابلة للقياس.
فالمواطن الموريتاني يريد أن يعرف ما الذي حدث، ولماذا حدث، وهل كانت هناك اختلالات يمكن تفاديها، ومن يتحمل المسؤولية عنها، وما الضمانات التي ستمنع تكرارها.
كما ينتظر أن تتحول نتائج التحقيق إلى خطة إصلاح معلنة، تتضمن معالجة مكامن الخلل، ومراجعة إجراءات السلامة والصيانة، وتعزيز الرقابة على الصفقات والتجهيزات متى كشف التحقيق ما يستدعي ذلك، مع تحديد آجال واضحة للتنفيذ.
لا محاسبة بلا شفافية
من الضروري أيضًا نشر النتائج التي يمكن إعلانها قانونيًا، وتوضيح ما إذا كانت هناك مسؤوليات إدارية أو سياسية أو جنائية، مع احترام قرينة البراءة والتمييز بين المسؤولية السياسية والإدانة القضائية.
فالمحاسبة ليست تصفية حسابات، كما أن حماية المؤسسات لا تعني إعفاء المسؤولين من المساءلة. والدولة القوية هي التي تواجه الإخفاقات بشفافية، وتعترف بمواطن الخلل، وتتخذ الإجراءات المناسبة دون انتقائية.
الخلاصة: الحكومة أمام استحقاق سياسي
بعد صدور تقرير لجنة التحقيق، لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتصريحات والاجتماعات. المطلوب هو موقف حكومي واضح يحدد المسؤوليات ويعلن الإجراءات التي ستترتب على النتائج.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى إقالة الحكومة تمثل موقفًا سياسيًا يدعو إلى تحميل السلطة التنفيذية مسؤولية الإشراف على قطاع حيوي، خصوصًا إذا أثبت التقرير وجود إخفاقات واسعة تقع ضمن مسؤولياتها.
فإذا أثبت التقرير إخفاقًا حكوميًا جسيمًا، فإن الاستقالة أو الإقالة يجب أن تكونا ضمن الخيارات الجدية المطروحة، لا أن تتحول المحاسبة إلى مجرد إجراءات محدودة تنتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي بالقضية.
إن ما ينتظره المواطنون ليس تقريرًا يُحفظ في الأرشيف، بل نتائج ملموسة تعيد الثقة في المرفق العمومي، وتضمن ألا تتكرر الأزمة، وتؤكد أن المسؤولية في الدولة تكليف وليست حصانة.
زر الذهاب إلى الأعلى