موريتانيا تحصّن استقرارها بمقاربة تجمع القوة العسكرية والحوار الديني
موريتانيا تحصّن استقرارها بمقاربة تجمع القوة العسكرية والحوار الديني

موريتانيا تحصّن استقرارها بمقاربة تجمع القوة العسكرية والحوار الديني
نواكشوط – اليوم السابع الموريتاني
سلّطت مجلة «Africa Defense Forum»، الصادرة عن القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم»، الضوء على التجربة الموريتانية في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، معتبرة أن البلاد نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني، رغم تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل وتدهور الأوضاع في مالي المجاورة.
وقالت المجلة في تقرير نشرته في الرابع من أغسطس 2026 إن موريتانيا لم تتعرض لهجوم إرهابي كبير منذ عام 2011، عندما هاجم مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مركزًا للدرك قرب الحدود المالية واختطفوا أحد عناصره. وأرجعت هذا الهدوء النسبي إلى اعتماد نواكشوط مقاربة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتشمل العمل الاستخباراتي وتأمين الحدود والحوار الديني والوقاية المجتمعية. Africa Defense Forum
استراتيجية تتجاوز الحل الأمني
تقوم المقاربة الموريتانية على قناعة مفادها أن الإرهاب لا يمثل تهديدًا عسكريًا فقط، وإنما ظاهرة مركبة تتغذى من التأويلات الدينية المتطرفة والتهميش الاجتماعي والبطالة وضعف الفرص الاقتصادية وشعور بعض الشباب بالإقصاء.
وبناءً على ذلك، عملت السلطات خلال السنوات الماضية على تعزيز قدرات الجيش وقوات الأمن، ومراقبة المناطق الحدودية الصحراوية، ورفع مستوى جمع المعلومات الاستخباراتية، بالتوازي مع إطلاق برامج تستهدف تحصين الشباب ومراجعة الأفكار المتطرفة داخل السجون والمؤسسات التعليمية والمجتمعية.
ويرتكز الجانب العسكري من هذه السياسة على سرعة تدخل الوحدات الأمنية، وتعزيز الوجود في المناطق الشرقية المتاخمة لمالي، وتطوير قدرات المراقبة والاستطلاع والتنسيق بين الجيش والدرك والحرس والشرطة.
غير أن اتساع الأراضي الموريتانية وطول الحدود مع مالي، إضافة إلى الطبيعة الصحراوية الوعرة وصعوبة مراقبة بعض المناطق النائية، تظل تحديات أمنية قائمة تتطلب جاهزية مستمرة وتعاونًا إقليميًا وثيقًا.
المرشدات الدينيات في مواجهة خطاب التطرف
وركز تقرير المجلة بصورة خاصة على تجربة «المرشدات الدينيات»، بوصفها أحد أبرز أوجه الوقاية الفكرية والاجتماعية من التطرف في موريتانيا.
والمرشدات نساء حصلن على تكوين في الفقه والشريعة وعلوم القرآن وتاريخ الفكر الإسلامي، قبل توجيههن للعمل في السجون والمدارس ومراكز الشباب والمستشفيات والمساجد. وتتمثل مهمتهن في التواصل مع الشباب والنساء ونزلاء السجون، وتصحيح المفاهيم الدينية التي تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد والتحريض.
ويقوم عملهن على تفكيك خطاب التكفير، وتقديم أدلة دينية تناقض التفسيرات التي تبرر قتل المدنيين أو الاعتداء عليهم، إضافة إلى نشر قيم التسامح والتكافل وتحمل المسؤولية.
ونقلت المجلة عن الخبير الاجتماعي الموريتاني يحيى الحسين قوله إن المرشدات ساهمن، من دون استخدام القوة، في تعريف الشباب بالتعاليم الإسلامية القائمة على التسامح والإحسان والمساءلة.
كما أشار التقرير إلى أن المرشدات داخل السجون يعملن على بناء الثقة مع النزلاء المرتبطين أو المتأثرين بالجماعات المسلحة في الساحل، ويفتحن معهم نقاشات هادئة حول الأسس الشرعية التي تستند إليها التنظيمات المتطرفة.
وبدأت موريتانيا هذا البرنامج سنة 2021 بدعم من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مستفيدة من تجربة مغربية مماثلة أُطلقت عام 2006. وتشير تقارير أممية إلى تدريب عشرات الموريتانيات للعمل في مجال الوقاية من التطرف العنيف وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مقاومة خطاب الجماعات المتشددة. تقرير الأمم المتحدة
معالجة عوامل الاستقطاب
بحسب التقرير، لا يقتصر دور المرشدات على الرد على الخطاب الديني المتطرف، بل يمتد إلى معالجة بعض العوامل الاجتماعية والنفسية التي تجعل الشباب عرضة للاستقطاب.
فالجماعات المسلحة تستهدف غالبًا الفئات التي تعاني البطالة والتهميش والغضب وفقدان الثقة في المؤسسات، وتستخدم خطابًا دينيًا مشحونًا لتقديم نفسها بوصفها بديلًا قادرًا على منح الشباب المكانة والانتماء.
وفي مواجهة ذلك، تسعى المقاربة الوقائية إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وفتح قنوات للنقاش داخل المؤسسات التعليمية والسجون والأحياء، وتقديم خطاب ديني يستند إلى المرجعية الإسلامية المحلية ويرفض العنف والتكفير.
وترى باحثون أوردت المجلة آراءهم أن إشراك النساء في الوقاية من التطرف يساعد على الوصول إلى البيوت والفئات الشابة بصورة أكثر فعالية، كما يمنح المرأة دورًا في حماية التماسك الاجتماعي وتعزيز الاعتدال.
مالي مصدر التهديد الأكبر
ورغم الهدوء الذي تعيشه موريتانيا، حذرت المجلة من أن المخاطر الأمنية لم تختفِ، خصوصًا مع استمرار نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدةِ، خصوصًا مع استمرار نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم الق داخل مالي.
وتسيطر الجماعة على مناطق واسعة، وتنشط بالقرب من بعض المواقع الحدودية مع موريتانيا، مستفيدة من ضعف سيطرة الدولة المالية على أجزاء من أراضيها، وتعدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وأشار التقرير إلى سيطرة الجماعة، خلال عام 2025، على قاعدة عسكرية وبلدة فارابوغو المالية القريبة من غابة واغادو المتاخمة للحدود الموريتانية. كما تحدث عن تكثيف موريتانيا والسنغال عملياتهما الأمنية المشتركة على المناطق الحدودية مع مالي خلال أكتوبر 2025، في إطار الاستجابة لتنامي المخاطر.
وتجعل هذه التطورات المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية من موريتانيا في تماس مباشر مع واحدة من أكثر بؤر النشاط المسلح اضطرابًا في الساحل، ما يفرض على نواكشوط مواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية والاستخباراتية.
نجاح مهم لا يلغي المخاطر
يمثل غياب الهجمات الإرهابية الكبرى منذ عام 2011 مؤشرًا مهمًا على فاعلية الإجراءات التي اتخذتها موريتانيا، وهو ما أكده أيضًا تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب لعام 2024. لكن هذا النجاح لا يعني أن البلاد أصبحت بمنأى عن التهديد، خاصة مع قدرة الجماعات المسلحة على التحرك عبر الحدود واستغلال شبكات التهريب والنزاعات المحلية. وزارة الخارجية الأمريكية
وتحتاج التجربة الموريتانية، وفق قراءة التقرير، إلى مواصلة التحديث والتقييم، وربط العمل العسكري بمشاريع التنمية والتعليم والتشغيل في المناطق الهشة، مع ضمان احترام القانون وحقوق السكان خلال العمليات الأمنية.
ويخلص تقرير «Africa Defense Forum» إلى أن خصوصية النموذج الموريتاني تكمن في الجمع بين الحزم الأمني والمراجعة الفكرية والوقاية المجتمعية، بدل الاعتماد الكامل على القوة العسكرية؛ وهي مقاربة ساعدت البلاد حتى الآن على تجنب السيناريوهات الأمنية التي شهدتها دول أخرى في الساحل، لكنها تظل أمام اختبار دائم بفعل التطورات المتسارعة على حدودها الشرقية.




