اعتراف حكومي يفتح ملف الكهرباء: هل كشفت الحرائق هشاشةً أعمق من المحطتين؟
نواكشوط – اليوم السابع الموريتاني
لم تعد أزمة الكهرباء في نواكشوط مجرد حريقين طالا محطتي تحويل وانتهيا بإعادة التيار إلى المشتركين.
فالتصريحات الحكومية الأخيرة أعادت الأزمة إلى مربع أكثر اتساعاً، بعدما أقر الناطق باسم الحكومة بوجود مشكلات واختلالات بنيوية في منظومة نقل وتوزيع الكهرباء، في اعتراف يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز أسباب اندلاع الحريقين إلى طبيعة الشبكة نفسها، ومدى جاهزيتها لتحمل الأعطال الكبرى.
من سؤال الحريق إلى سؤال المنظومة
منذ اندلاع الحريقين، ظل السؤال الأكثر حضوراً هو: كيف اندلع الحريق؟ ومن يقف وراءه؟
لكن الاعتراف بوجود مشكلات بنيوية يفرض سؤالاً آخر لا يقل أهمية:
كيف يمكن لمحطتين للتحويل أن تتسببا في اضطراب واسع النطاق يمس أجزاء كبيرة من العاصمة؟
فإذا كانت الشبكة مصممة بحيث تستطيع محطات أخرى امتصاص الصدمة، فإن حجم التداعيات يطرح تساؤلات حول مستوى الاحتياط والربط وقدرة منظومة النقل والتوزيع على التعامل مع الحالات الطارئة.
وهنا تكمن أهمية التحقيق المرتقب؛ إذ لا ينبغي أن يتوقف عند تحديد نقطة بداية النيران، وإنما أن يبحث أيضاً في حالة المنشآت، وأنظمة الحماية، والصيانة، وآليات التدخل، وقدرة الشبكة على عزل الأعطال ومنع تحولها إلى أزمة واسعة.
الاعتراف الحكومي يغير طبيعة النقاش
اللافت أن الحديث الرسمي لم يعد مقتصراً على إعادة تشغيل المحطات المتضررة.
فالناطق باسم الحكومة تحدث عن اختلالات ذات طابع بنيوي، ما يعني أن المشكلة، إذا تأكدت نتائجها فنياً، قد تكون مرتبطة بطريقة بناء وتشغيل وإدارة الشبكة على مدى سنوات.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل توسعت شبكة الإنتاج بوتيرة أسرع من قدرة شبكات النقل والتوزيع على استيعاب هذا التوسع؟
فالكهرباء لا تصل إلى المواطن بمجرد إنتاجها؛ إذ تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالإنتاج، ثم النقل، فالتحويل، ثم التوزيع وصولاً إلى المستهلك.
وأي ضعف في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يحول وفرة الإنتاج إلى أزمة في التوزيع.
محطتان فقط… وأزمة في العاصمة
كشفت الأزمة الأخيرة أن بنية شبكة نواكشوط المترابطة تجعل تعطل محطات رئيسية ذا تأثير واسع.
وهنا تبرز ضرورة إعادة تقييم مفهوم الاحتياط الكهربائي: هل توجد مسارات بديلة كافية؟ وهل تستطيع الشبكة إعادة توزيع الأحمال بسرعة عند خروج محطة رئيسية من الخدمة؟
كما تبرز أهمية وجود تجهيزات احتياطية وأنظمة حماية حديثة، وخطط طوارئ قادرة على الحد من نطاق الانقطاع ومدة استمراره.
لجنة التحقيق أمام اختبار الرأي العام
مع تشكيل لجنة التحقيق المستقلة، تنتظر الأوساط الموريتانية إجابات واضحة، ليس فقط حول أسباب الحريقين، وإنما حول الظروف التي سبقت وقوعهما.
هل كانت المحطتان في حالة فنية جيدة؟
هل كانت عمليات الصيانة تتم وفق المعايير المطلوبة؟
هل كانت أنظمة الحماية والإنذار تعمل بكفاءة؟
هل توجد معدات كان يفترض تركيبها ولم تكن في الخدمة؟
وهل كانت هناك تقارير فنية سابقة حذرت من نقاط ضعف في الشبكة؟
هذه الأسئلة لا تعني توجيه الاتهام إلى أي جهة، لكنها أسئلة طبيعية تفرضها أزمة كشفت، وفق الخطاب الحكومي نفسه، عن اختلالات بنيوية.
المطلوب ليس إعادة الكهرباء فقط
إعادة التيار الكهربائي خطوة ضرورية، لكنها ليست نهاية الأزمة.
فالاختبار الحقيقي هو ما بعد عودة الكهرباء: هل ستتم معالجة الأسباب الجذرية، أم سيقتصر الأمر على إعادة بناء ما احترق وإعادة تشغيل الشبكة؟
الموريتانيون لا يريدون فقط معرفة من تسبب في الحريقين، بل يريدون معرفة لماذا كانت آثار الحريق بهذا الحجم، وما الذي ستفعله الدولة حتى لا تتكرر الأزمة بالطريقة نفسها؟
الخلاصة: الحرائق قد تكون إنذاراً
قد تنتهي التحقيقات إلى أن الحريقين كانا حادثين منفصلين، وقد تكشف عن مسؤوليات أو تقصير أو أسباب فنية محددة.
لكن الاعتراف الحكومي بوجود اختلالات بنيوية يجعل من الصعب اختزال الأزمة في حادث عرضي.
فالمسألة اليوم أكبر من محطتين احترقتا.
إنها قضية أمن كهربائي للعاصمة، وقدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
والسؤال الذي سيظل مفتوحاً إلى حين صدور نتائج التحقيق:
هل ستتعامل الدولة مع الحرائق باعتبارها حادثاً انتهى، أم باعتبارها جرس إنذار يستوجب إعادة بناء منظومة نقل وتوزيع الكهرباء على أسس أكثر صلابة؟
اليوم السابع الموريتاني
رئيس التحرير: أحمد سالم ولد ببوط
زر الذهاب إلى الأعلى