الحسين ولد مدو.. ماله وما عليه؟
– اليوم السابع الموريتاني
في المشهد الحكومي الموريتاني، قلّما يجتمع في مسؤول واحد هذا القدر من الخبرة الإعلامية والسياسية كما هو الحال مع وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق باسم الحكومة الحسين ولد مدو.
الرجل القادم من مهنة الصحافة، والذي شغل سابقاً منصب نقيب الصحفيين ورئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، وجد نفسه منذ أغسطس 2024 في موقع مختلف تماماً: مسؤولاً عن قطاع الإعلام والثقافة، وواجهة رسمية للحكومة في مواجهة أسئلة الرأي العام.
لكن بين الحسين الصحفي والحسين الوزير مسافة تستحق النقاش.
ما له.. حصيلة لا يمكن تجاهلها
أبرز الملفات التي ارتبطت بمرحلة ولد مدو هو ملف المتعاونين في الإعلام العمومي.
فقد تم ترسيم 1865 متعاوناً، في عملية قالت الوزارة إنها أنهت وضعية مهنية استمرت أكثر من ثلاثة عقود، ووفرت للمستفيدين حقوقاً اجتماعية ومهنية، من بينها التأمين الصحي.
وهذا الملف تحديداً يمثل أحد أهم الاختبارات التي كان ينتظرها العاملون في المؤسسات الإعلامية العمومية، بالنظر إلى طول فترة بقائهم في وضعيات مهنية هشة.
كما شهد القطاع خلال الفترة نفسها استكمال عدد من الإصلاحات القانونية والتنظيمية المتعلقة بالصحافة، من بينها قانون الصحفي المهني ومرسوم البطاقة الصحفية، قبل إصدار أول دفعة من البطاقات المهنية في مايو 2026.
وفي الجانب الثقافي، دفعت الوزارة باتجاه توسيع النشاط الثقافي خارج نواكشوط، وتنظيم مهرجانات وفعاليات جهوية، إلى جانب الاهتمام بالتراث الموريتاني وتسجيل عناصر منه ضمن قوائم المنظمات الثقافية الدولية.
كما تحدثت الوزارة عن مشاريع لاستعادة قطع ومخطوطات من التراث الموريتاني الموجودة خارج البلاد، وعن مشاريع لإنشاء منشآت ثقافية وتراثية جديدة.
وما عليه.. الإعلام لا يقاس بالقوانين وحدها
لكن نجاح أي وزير للاتصال لا يقاس بعدد النصوص القانونية التي صدرت، ولا بعدد المؤتمرات والمهرجانات التي نظمت.
السؤال الأصعب هو:
هل أصبح الصحفي الموريتاني أكثر قدرة على ممارسة مهنته؟ وهل أصبح المواطن يحصل على إعلام عمومي أكثر تعددية واستقلالية؟
وهنا تظهر مساحة واسعة للنقاش.
ففي يونيو 2026، وجد ولد مدو نفسه أمام أسئلة برلمانية مباشرة حول مدى ضمان التعددية السياسية وتكافؤ الفرص في الإعلام العمومي، كما أثيرت أسئلة حول ظروف ترسيم المتعاونين ومستويات الرواتب بعد العملية. وقد أكد الوزير من جهته أن الإعلام العمومي ملتزم بالحياد والتوازن، وأن عملية الترسيم تمت بشفافية.
وهذا يعني أن الملف، رغم ما تحقق فيه، لم يغلق باب النقاش.
البطاقة الصحفية.. تنظيم للمهنة أم اختبار جديد؟
من أكثر الملفات حساسية كذلك ملف البطاقة الصحفية.
الوزارة تعتبر البطاقة أداة لتنظيم المهنة وترسيخ الاحترافية والشفافية، وقد وضعت شروطاً محددة للحصول عليها، من بينها التكوين والخبرة والممارسة المهنية، مع وجود لجنة متعددة الأطراف للنظر في الملفات والطعون.
لكن أي نظام لتنظيم الصحافة يظل مطالباً بأن يجيب عن سؤال جوهري:
كيف نضمن أن تنظيم المهنة لا يتحول، ولو بصورة غير مقصودة، إلى تضييق على حق ممارسة الصحافة؟
وهنا لا يكفي أن تقول السلطة إن هدفها التنظيم؛ بل يجب أن تكون آليات التطبيق نفسها واضحة وشفافة وقابلة للمساءلة.
من نقيب الصحفيين إلى الناطق باسم الحكومة
ربما تكمن أكثر مفارقات تجربة ولد مدو في انتقاله من موقع المدافع عن المهنة إلى موقع المسؤول عن إدارة جزء كبير منها.
فالرجل الذي عرف الوسط الصحفي من داخله، وترأس نقابة الصحفيين ثم السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، أصبح اليوم مطالباً في الوقت نفسه بالدفاع عن سياسات الحكومة والإجابة عن أسئلة الصحفيين بشأنها.
وهذا يضعه أمام معادلة دقيقة:
كيف يحافظ على صورة المسؤول الحكومي، دون أن يفقد حسّ الصحفي الذي يعرف أسئلة المهنة ومخاوفها؟
الثقافة.. ملف أكبر من المهرجانات
في المجال الثقافي، تقول الوزارة إن الفترة الأخيرة شهدت تنظيم أكثر من 81 مهرجاناً ثقافياً، وتوسيع النشاط الثقافي إلى الداخل، ودعم الفنون وإنشاء أطر مهنية للفنانين، إضافة إلى مشاريع تتعلق بالتراث والمدن التاريخية.
لكن الثقافة ليست مجرد مهرجانات.
التحدي الحقيقي هو تحويل الثقافة إلى صناعة مستدامة توفر فرصاً للفنانين والكتاب والمبدعين، وتخلق قيمة اقتصادية، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية والتراث.
وهو تحدٍ لا يمكن حسمه خلال فترة قصيرة، مهما كان حجم النشاط الرسمي.
الحصيلة بين الإنجاز والانتظار
يمكن القول إن ولد مدو لا يدخل النقاش العام خالي الوفاض.
هناك ملفات تحركت فعلاً، وفي مقدمتها ترسيم العاملين في الإعلام العمومي، والإطار القانوني للصحافة، والبطاقة المهنية، وتوسيع النشاط الثقافي والفني.
لكن في المقابل، لا تزال أسئلة أكبر مطروحة حول الإعلام العمومي، والتعددية، واستقلالية المؤسسات الصحفية، والاقتصاد الإعلامي، واستدامة الصحافة الخاصة، وموقع الثقافة في الاقتصاد الوطني.
وهذه الملفات تحتاج إلى أكثر من الخطاب الرسمي أو المؤتمرات الصحفية.
الخلاصة
الحسين ولد مدو أمام تجربة تحمل وجهاً مزدوجاً.
وجه أول يتمثل في ملفات تحققت فيها خطوات ملموسة، وخاصة ملف المتعاونين والإصلاحات القانونية للصحافة.
ووجه ثانٍ يتمثل في ملفات لم تصل بعد إلى نهايتها، وفي مقدمتها سؤال استقلالية الإعلام العمومي، وضمان التعددية، وتحسين البيئة الاقتصادية للصحافة الخاصة، وتحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى قطاع منتج ومستدام.
وبعيداً عن حملات التشهير أو المديح المبالغ فيه، فإن التقييم الأكثر إنصافاً لتجربة ولد مدو يجب أن ينطلق من الملفات والنتائج.
فالمسؤول العام لا يُقاس فقط بما يقول عن حصيلته، ولا بما يقال عنه على منصات التواصل.
بل بما يبقى من أثره عندما تنتهي فترة المسؤولية.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي:
ماذا سيترك الحسين ولد مدو وراءه في الإعلام والثقافة الموريتانيين؟
اليوم السابع
زر الذهاب إلى الأعلى