آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

النخبة الموريتانية.. حين يتحول الإفلاس الفكري إلى أزمة دولة

النخبة الموريتانية.. حين يتحول الإفلاس الفكري إلى أزمة دولة

النخبة الموريتانية.. حين يتحول الإفلاس الفكري إلى أزمة دولة

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني

ليست أزمة موريتانيا اليوم أزمة موارد، ولا أزمة جغرافيا، ولا حتى أزمة قوانين بقدر ما هي أزمة نخبة. فالدول لا تنهض بما تملكه من ثروات فقط، وإنما بما تملكه من عقول قادرة على تحويل تلك الثروات إلى تنمية، والخلافات إلى توافق، والأزمات إلى فرص.

وعندما يعجز أصحاب القرار والرأي عن إنتاج حلول جديدة، يصبح الحديث عن “إفلاس النخبة” توصيفاً لحالة، لا حكماً على الأشخاص.

النخبة التي فقدت وظيفتها

في العلوم السياسية، لا تُقاس النخبة بعدد الشهادات ولا بالمناصب، بل بقدرتها على قيادة المجتمع نحو مستقبل أفضل.

غير أن جزءاً مهماً من النخبة الموريتانية أصبح يدور داخل حلقة مغلقة:

السياسي يعيد الخطاب نفسه منذ سنوات.

المثقف يكتفي بالتعليق بدل المبادرة.

الأكاديمي غائب عن صناعة القرار.

الإعلامي ينشغل بمعارك الأشخاص أكثر من مناقشة القضايا.

والنتيجة أن المجتمع يتحرك، بينما تبقى النخبة ثابتة في مكانها.

السلطة والمعارضة… وجهان للأزمة

من السهل تحميل السلطة وحدها مسؤولية الواقع، كما أنه من السهل اتهام المعارضة بالعجز، لكن الحقيقة أن الأزمة أعمق.

فالسلطة كثيراً ما تعتمد على الولاء أكثر من الكفاءة، بينما تعاني المعارضة في أحيان كثيرة من تشتت الأولويات وصعوبة تقديم مشروع سياسي جامع. وبين الطرفين، يجد المواطن نفسه أمام خطاب سياسي يتكرر أكثر مما يتجدد.

النخبة الموريتانية.. حين يتحول الإفلاس الفكري إلى أزمة دولة

رغم مرور عقود على بناء الدولة الحديثة، ما تزال الانتماءات التقليدية تؤثر في الحياة السياسية والإدارية.

وعندما يصبح السؤال: “من هو؟” أهم من “ماذا يستطيع أن يقدم؟”، تتراجع الكفاءة لصالح الانتماء، وتضعف ثقة المواطنين في المؤسسات.

غياب مراكز التفكير

في الدول التي تخطط للمستقبل، تلعب مراكز الدراسات والبحوث دوراً محورياً في صياغة السياسات العامة.

أما في موريتانيا، فما يزال حضور هذه المؤسسات محدوداً، وغالباً ما تُصاغ السياسات كرد فعل للأحداث، لا استناداً إلى دراسات واستشراف طويل المدى.

الشباب… خارج معادلة التأثير

تمثل الفئة الشابة أغلبية السكان، لكنها لا تتمتع دائماً بحضور يتناسب مع حجمها في مواقع اتخاذ القرار.

وعندما يغيب الشباب عن دوائر التأثير، تخسر الدولة طاقات جديدة وأفكاراً مبتكرة، ويتأخر تجديد النخب.

لماذا لا تتجدد النخبة؟

هناك عدة عوامل تفسر بطء التجديد، منها:

  • هيمنة الوجوه نفسها على المشهد العام.

  • ضعف الأحزاب في إعداد قيادات جديدة.

  • محدودية التنافس على أساس البرامج.

  • هجرة الكفاءات إلى الخارج.

  • تراجع ثقافة الحوار الفكري لصالح الاستقطاب.

أخطر مظاهر الإفلاس

الإفلاس الحقيقي لا يعني نقص المال، بل نقص الأفكار.

ويظهر ذلك عندما:

  • تتكرر الوعود نفسها في كل استحقاق سياسي.

  • تغيب الرؤى الاقتصادية طويلة المدى.

  • تتحول وسائل الإعلام إلى ساحات للمناكفات.

  • يختزل النقاش العام في الأشخاص بدلاً من السياسات.

هل ما زالت هناك فرصة؟

الإجابة نعم، ولكن بشروط.

إن تجاوز أزمة النخبة يتطلب إصلاحاً يبدأ من التعليم، ويعزز استقلالية الجامعات، ويدعم البحث العلمي، ويفتح المجال أمام الكفاءات، ويكرس ثقافة المحاسبة وتكافؤ الفرص.

كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بتجديد قياداتها وبرامجها، والإعلام مطالب بالانتقال من نقل الأحداث إلى صناعة النقاش العام، والنخب الفكرية مطالبة بتقديم حلول قابلة للتطبيق بدلاً من الاكتفاء بالنقد.

خاتمة

إن مستقبل موريتانيا لن تحدده ثرواتها المعدنية أو موقعها الجغرافي فحسب، بل ستحدده نوعية النخبة التي تقودها. فالدول التي تفشل نخبها في التجدد، تدفع شعوبها ثمن الجمود، بينما الدول التي تراهن على الكفاءة والمعرفة تبني مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمتلك النخبة الموريتانية الشجاعة لمراجعة نفسها، أم أنها ستواصل إدارة الأزمات بالأدوات نفسها التي أسهمت في صنعها؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في البلاد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى