صفقات بالمليارات تفتح ملف «صوملك» والشركة التركية.. كيف مُنحت عقود جديدة بعد توثيق وثائق مزورة؟
تحقيق – اليوم السابع الموريتاني
في تطور يفتح أسئلة ثقيلة حول آليات التدقيق والرقابة في الصفقات العمومية بقطاع الكهرباء، كشفت وثائق نشرتها وكالة «الأخبار» عن منح الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» أربع صفقات لشركة تركية خلال السنوات 2023 و2025 و2026، بقيمة إجمالية تتجاوز 4.2 ملايين دولار، أي ما يزيد على 1.68 مليار أوقية قديمة.
المثير في الملف أن الوثائق نفسها، بحسب التحقيق المنشور، تشير إلى أن «صوملك» سبق أن أكدت في مراسلة رسمية إلى شركة الطاقة الإيفوارية CI-ENERGIES وجود «تزوير واستعمال مزور» في وثائق قدمتها الشركة التركية لإثبات تنفيذ مشاريع في موريتانيا.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التحقيق: إذا كانت مؤسسة صوملك قد خلصت إلى أن وثائق قدمتها الشركة التركية بشأن مشاريع موريتانية كانت مزورة، فما الذي سمح باستمرار حصول الشركة على صفقات جديدة من المؤسسة نفسها؟
4 صفقات تتجاوز 1.68 مليار أوقية قديمة
وفق الوثائق التي أوردها التحقيق، حصلت شركة TEK TRANSFORMATOR على أربع صفقات من «صوملك».
وتوزعت على النحو التالي:
2023: صفقة لتوريد محولات كهربائية وخلايا بقيمة 768,460 دولاراً.
2025: صفقة بقيمة 782,910 دولاراً لتوريد محولات وخلايا.
2025: صفقة أخرى لتوريد محولات قدرة بقيمة 747,370 دولاراً.
2026: صفقة جديدة لتوريد محولات كهربائية بقيمة 1,901,963 دولاراً.
وبجمع هذه العقود تصل القيمة إلى أكثر من 4.20 ملايين دولار.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في قيمتها المالية فقط، وإنما في توقيتها وعلاقتها بالوثائق التي أثارتها مراسلات «صوملك» مع الجانب الإيفواري.
وثائق بملايين اليورو.. واتهام بالتزوير
بحسب التحقيق المنشور، قدمت الشركة التركية ضمن تجمع كان ينافس على صفقة في ساحل العاج وثائق تفيد بأنها نفذت مشاريع لصالح «صوملك» في موريتانيا.
إحدى الوثائق تحدثت عن مشروع بقيمة 13.561.005 يورو، بينما تحدثت وثيقة أخرى عن مشروع بقيمة 12.173.759 يورو.
وبذلك بلغت القيمة الإجمالية للمشاريع التي نسبت الشركة تنفيذها إلى نفسها أكثر من 25.7 مليون يورو.
لكن المفاجأة، وفق المراسلة المنسوبة إلى «صوملك»، أن مراجعة الوثائق أظهرت وجود تزوير واستعمال مزور.
كما أشارت الوثائق التي استند إليها التحقيق إلى أن المشاريع التي ادعت الشركة التركية تنفيذها كانت في الواقع مرتبطة بمسارات مختلفة: بعضها مُنح لشركات أخرى، وبعضها أُعيد طرحه بعد اعتبار المناقصة غير مجدية، وبعضها ألغي.
من موريتانيا إلى ساحل العاج
لم يتوقف الأمر عند حدود المراسلات.
فبحسب التحقيق، اعتمدت سلطة تنظيم الصفقات العمومية في ساحل العاج على المعلومات الواردة من «صوملك»، وأصدرت في 8 أبريل 2024 قراراً بإدراج التجمع الذي يضم الشركة التركية TEK TRANSFORMATOR والشركة الإيفوارية EBFCI ENERGIE على اللائحة السوداء.
وشملت العقوبة الاستبعاد من الصفقة ومنع المشاركة في الصفقات العمومية في ساحل العاج لمدة سنتين.
واللافت أن قراراً لاحقاً، وفق التحقيق، أعاد التأكيد على أن الوثائق التي قدمتها الشركة التركية كانت مزورة، بينما ارتبطت العقوبة على الشركة الإيفوارية بعدم التحقق من صحة الوثائق قبل تقديمها.
السؤال الموريتاني: ماذا حدث داخل صوملك؟
هنا ينتقل الملف من مجرد قصة شركة أجنبية إلى سؤال يتعلق بالحوكمة داخل مؤسسة عمومية موريتانية.
فالمسألة ليست: هل الشركة التركية ارتكبت مخالفة في ملف ساحل العاج؟
بل السؤال الأهم هو:
ماذا فعلت «صوملك» بعد أن خلصت، وفق الوثائق المنشورة، إلى وجود تزوير في وثائق نسبت إليها مشاريع لم تنفذها الشركة؟
وهل تم:
فتح تحقيق داخلي؟
إبلاغ الجهات الرقابية المختصة؟
مراجعة أهلية الشركة للمشاركة في الصفقات؟
تعليق التعامل معها مؤقتاً؟
إحالة الملف إلى الجهات القضائية عند الاقتضاء؟
تدقيق الصفقات السابقة واللاحقة؟
التحقق من مصدر الوثائق والخبرات التي قدمتها الشركة في ملفات التأهيل؟
هذه الأسئلة لا تعني، بحد ذاتها، إثبات وجود فساد في الصفقات اللاحقة، لكنها تصبح مشروعة وضرورية في ضوء المعطيات المنشورة.
تقرير محكمة الحسابات يزيد الأسئلة
تأتي هذه القضية في وقت سبق أن رصد فيه تقرير لمحكمة الحسابات الموريتانية، يغطي تسيير «صوملك» خلال عامي 2022 و2023، اختلالات في عدد من جوانب تسيير الشركة، من بينها مسائل مرتبطة بالصفقات العمومية.
ويعطي تزامن هذه المعطيات مع قضية الشركة التركية أهمية خاصة لمراجعة منظومة التعاقد والرقابة والتأهيل داخل الشركة.
فالصفقة العمومية لا تبدأ عند توقيع العقد، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير: من تحديد الحاجة، وإعداد دفتر الشروط، وتأهيل المتنافسين، والتحقق من الخبرات السابقة، ثم تقييم العروض، وصولاً إلى تنفيذ العقد ومراقبته.
هل كانت هناك مراجعة للأهلية؟
الوثائق المنشورة تضع أمام إدارة «صوملك» سؤالاً تقنياً وإدارياً دقيقاً:
هل تمت إعادة تقييم أهلية الشركة التركية بعد اكتشاف الوثائق محل النزاع؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فما هي المعايير التي اعتمدت؟
وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا استمرت الشركة في الحصول على عقود جديدة؟
وإذا كانت الصفقات اللاحقة قد تمت عبر لجان مستقلة وفق الإجراءات القانونية، فهل كانت هذه اللجان على علم بالمراسلة السابقة وما تضمنته من ملاحظات؟
هذه التفاصيل هي التي يمكن أن تحسم ما إذا كنا أمام إشكال إداري في تبادل المعلومات، أم خلل في آليات التدقيق، أم مجرد وقائع منفصلة لا علاقة مباشرة بينها.
«المليارات» ليست وحدها القضية
في مثل هذه الملفات، قد ينصب الاهتمام العام على قيمة العقود: أكثر من 1.68 مليار أوقية قديمة.
لكن القيمة الحقيقية للتحقيق تكمن في سؤال آخر:
هل تستطيع مؤسسة عمومية أن تضمن أن كل شركة تتعاقد معها قدمت معلومات صحيحة عن خبراتها ومشاريعها السابقة؟
فالتحقق من الخبرة السابقة ليس إجراءً شكلياً، بل عنصر أساسي في اختيار الشركات القادرة على تنفيذ مشاريع تتعلق بالبنية التحتية الكهربائية، وهي مشاريع تمس مباشرة حياة المواطنين واستقرار الشبكة.
الكرة الآن في ملعب «صوملك»
اتصلت وكالة «الأخبار» بالمستشار الإعلامي في «صوملك» للحصول على تعليق حول القضية، غير أنه أوضح أن الموضوع يتعلق بالإدارة العامة وإدارات الشركة، وأنه لا يستطيع التواصل معهم قبل بداية دوام الأسبوع المقبل، وفق ما أورده التحقيق.
وهذا يعني أن الملف ما زال مفتوحاً أمام توضيحات الشركة.
ومن حق «صوملك» أن تقدم روايتها الكاملة، كما من حق الشركة التركية أن ترد على ما ورد من اتهامات ووثائق، وأن توضح ملابسات المشاريع والوثائق التي أثارتها القضية.
خلاصة التحقيق
القضية لا تتعلق فقط بشركة تركية حصلت على عقود في موريتانيا، ولا بمجرد وثائق متنازع عليها في ملف خارجي.
القضية تطرح سؤالاً أكبر حول منظومة الرقابة على الصفقات العمومية في واحدة من أهم المؤسسات الاستراتيجية في البلاد.
فإذا ثبتت صحة الوثائق المنشورة، فإن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات المختصة ليس فقط:
من قدم الوثائق غير الصحيحة؟
بل أيضاً:
كيف تعاملت المؤسسات الموريتانية معها؟ ومن راجع أهلية الشركة بعد ظهور هذه المعطيات؟ وهل كانت لجان الصفقات التي منحت العقود اللاحقة على علم بها؟
وهي أسئلة تستحق إجابات موثقة، بعيداً عن الاتهامات المسبقة أو التبرئة المجانية.
اليوم السابع الموريتاني يضع هذه الأسئلة أمام إدارة «صوملك»، وسلطة تنظيم الصفقات، والجهات الرقابية والقضائية المختصة، انتظاراً لما قد تقدمه من توضيحات ووثائق تكشف حقيقة المسار الكامل لهذه الصفقات.
المعطيات الأساسية أعلاه مبنية على التحقيق المنشور بتاريخ 28 أغسطس 2026، مع التمييز بين ما تثبته الوثائق وما يحتاج إلى رد من الأطراف المعنية. �
زر الذهاب إلى الأعلى