عفوًا معالي الوزير الأول… ما كان عليكم إحالة تقرير منظمة ولد غده إلى لجنة التحقيق
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني 
معالي الوزير الأول،
عندما ظهر محمد ولد غده، في اليوم الثاني للحادثة، على شاشة قناة المرابطون، وقدم للرأي العام ما وصفه بـ«الأدلة»، كان الأولى به، وهو رئيس منظمة ترفع شعار محاربة الفساد والمطالبة بالشفافية، أن يتريث حتى يمتلك أدلة صحيحة ومكتملة، بدل البحث عن سبق إعلامي، ومنح نفسه سلطة الاتهام والحكم على الأشخاص قبل انتهاء التحقيقات المختصة.
لقد اختار ولد غده بنفسه أن يخرج إلى الرأي العام، وأن يعرض ما لديه، وأن يوجه اتهاماته بالطريقة التي أرادها. وكان عليه، تبعاً لذلك، أن يتحمل مسؤولية ما قاله وما قدمه، خصوصاً إذا اتضح لاحقاً أن ما عرضه لا يرقى إلى مستوى الأدلة القاطعة التي توحي بها خطورة الاتهامات.
ثم إن تحفظنا على التعامل مع ما يقدمه محمد ولد غده لا يأتي من فراغ؛ فقد دأب، في نظرنا، على توجيه اتهامات خطيرة إلى أشخاص من المحيط القريب من رئيس الجمهورية، من دون أن يقدم للرأي العام، في حالات عدة، أدلة قاطعة توازي خطورة تلك الاتهامات. وحين تتحول محاربة الفساد إلى اتهامات متكررة وانتقائية توحي بتصفية حسابات، يصبح من واجب مؤسسات الدولة أن تتعامل مع ما يقدمه صاحبها بأقصى درجات التمحيص، وألا تمنح أي ادعاء وزناً لمجرد أن صاحبه رفع شعار «الشفافية». فالأشخاص لا يُدانون بالشبهات، ولا بالقرب من الرئيس، ولا بالخصومة السياسية؛ وإنما بالدليل والتحقيق والقانون.
لكن المستغرب، معالي الوزير الأول، أنه بعد كل ذلك يراسلكم في الوزارة الأولى ويقدم ما سماه «ملف منظمة الشفافية»، فتتم إحالة هذا الملف إلى لجنة التحقيق المشكلة أصلاً من كفاءات وطنية ومكاتب دولية معروفة.
وهنا موضع اختلافي معكم.
كان الأجدر، في تقديري، أن تُترك لجنة التحقيق تتمتع باستقلالية كاملة في تحديد مسارات بحثها، وجمع الأدلة، والاستماع إلى من ترى ضرورة الاستماع إليهم، والوصول بنفسها إلى المسؤوليات والحقائق، حتى تتحمل مسؤولية نتائج تحقيقها كاملة أمام الدولة والرأي العام.
أما إحالة مراسلة ولد غده إليها بعد أن أعلن عنها إعلامياً، فقد أعطت، من حيث لا تقصدون، أهمية رسمية لمادة سبق أن عرض صاحبها جانباً مما يعتبره «أدلة» أمام الرأي العام.
والأهم من ذلك أن الدولة لا ينبغي أن تجعل الضجيج الإعلامي طريقاً مختصراً لاكتساب المصداقية أو التأثير في مسار مؤسساتها. من يملك أدلة حقيقية على فساد أو تقصير فليقدمها للجهات المختصة، ولتأخذ العدالة والتحقيق مجراهما، أما الاتهام العلني فيجب ألا يصبح بديلاً عن الدليل.
كما أنني لا أرى سبباً لإلباس محمد ولد غده ثوباً آخر غير الثوب الذي اختاره لنفسه بخطابه ومواقفه، خاصة عندما يتجاوز النقد السياسي المشروع إلى عبارات أراها مسيئة إلى رئيس الجمهورية وهيبة مؤسسة الرئاسة.
معالي الوزير الأول،
الشفافية الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، ومحاربة الفساد لا تقوم على الاتهامات المسبقة، والتحقيق الجاد لا ينبغي أن تحدد مساره المقابلات التلفزيونية ولا المراسلات التي يُعلن عنها إعلامياً قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها.
دعوا لجنة التحقيق تعمل بحرية واستقلالية، ودعوا الأدلة هي التي تتكلم.
أما ولد غده، فاتركوه يتحمل مسؤولية ما اختاره لنفسه، ولا تمنحوه بقرار رسمي وزناً أكبر من وزن ما قدمه من حجج.
وكما يقول المثل الحساني:
«السترة واتحلكيم ما يخلطو».
بقلم الباشا عبدالله
رئيس كفانا فساداً
زر الذهاب إلى الأعلى