من 203 أمتار إلى 198.5 متراً.. كيف أُغلقت «صيدلية العناية» بعد أسابيع من افتتاحها؟
تحقيق استقصائي – اليوم السابع الموريتاني
نواكشوط –
عاد من الغربة بعد ست سنوات، حاملاً شهادة في الصيدلة ومدخرات جمعها بصعوبة، واستدان جزءاً من رأس المال، ثم وضع كل ما يملك في مشروع صغير كان يفترض أن يكون بداية لحياة جديدة.
لكن بعد أسابيع قليلة من افتتاح «صيدلية العناية» قرب «طب النور»، وجد الدكتور محمد سالم أحمد نفسه أمام قرار إغلاق، بدعوى عدم احترام المسافة القانونية بين الصيدليات.
القصة، كما يرويها صاحب الصيدلية، لا تتوقف عند قرار الإغلاق. فهناك رقم يطرح نفسه بقوة: 203 أمتار قبل الافتتاح، ثم 198.5 متراً بعده.
وبين الرقمين، ضاعت ــ وفق روايته ــ مدخرات سنوات، وتراكمت الديون، وتحول مشروع كان يفترض أن يكون ثمرة سنوات الغربة إلى أزمة مفتوحة.
البداية: قياس قبل الترخيص
يقول الدكتور محمد سالم أحمد إن الجهات المختصة قامت، قبل افتتاح الصيدلية، بإيفاد بعثة لمعاينة الموقع وقياس المسافة التي تفصل الصيدلية الجديدة عن أقرب صيدلية.
وبحسب شهادته، انتهى القياس إلى 203 أمتار.
وبناءً على ذلك، يقول إنه واصل إجراءات تجهيز المشروع، قبل أن يفتتح الصيدلية رسمياً يوم 25 يونيو 2026.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر إثارة في القصة:
إذا كانت المسافة المقاسة قبل الافتتاح هي 203 أمتار، فما الذي تغير لاحقاً حتى أصبحت 198.5 متراً؟
وهل يتعلق الأمر باختلاف في نقطة القياس؟ أم بطريقة القياس؟ أم بتغير في تحديد الصيدلية المرجعية التي يجب احتساب المسافة منها؟
أسئلة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها بالنسبة لصاحب المشروع تعني الفرق بين الاستمرار والإغلاق.
أربعة أمتار ونصف.. المسافة التي غيرت مصير مشروع
بعد افتتاح الصيدلية، يقول الدكتور إنه فوجئ بقرار إغلاق صادر بدعوى عدم احترام المسافة القانونية.
وبحسب ما يورده في شهادته، فإن القياس اللاحق حدد المسافة بـ198.5 متراً.
أي أن الفارق بين القياسين بلغ نحو 4.5 أمتار فقط.
وهنا تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي من الجهة المختصة:
ما هي نقطة البداية ونقطة النهاية التي اعتمدت في كل قياس؟
وهل تم استخدام الوسيلة الفنية نفسها في القياسين؟
وهل يوجد محضر رسمي يثبت نتيجة القياس الأول؟
وهل تم إبلاغ صاحب الصيدلية بنتيجة القياس الثاني ومنحه حق الاعتراض أو التظلم قبل تنفيذ قرار الإغلاق؟
السؤال الأكبر: ماذا عن الصيدليات الأخرى؟
لا يتهم الدكتور الجهات المعنية فقط باعتماد قياس مختلف، بل يطرح قضية أوسع.
فهو يقول إن هناك صيدليات أخرى في نواكشوط لا تحترم، حسب تقديره، المسافة نفسها، ومع ذلك ما تزال مفتوحة وتمارس نشاطها.
وهنا تنتقل القضية من خلاف حول صيدلية واحدة إلى سؤال يتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون:
هل تطبق شروط التباعد على جميع الصيدليات بالمعايير نفسها؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فمن المفيد أن توضح الجهات المختصة للرأي العام كيف يتم التعامل مع الحالات التي تقل فيها المسافة عن الحد القانوني.
أما إذا كانت هناك استثناءات أو أوضاع قانونية خاصة، فما هي أسبابها والأسس التي تستند إليها؟
من يتحمل مسؤولية الخطأ إن ثبت؟
القضية تطرح أيضاً سؤالاً إدارياً حساساً:
إذا ثبت أن جهة رسمية قامت بقياس الموقع قبل افتتاح الصيدلية، واعتمدت المسافة التي سمحت لصاحبها بالمضي في الاستثمار، ثم تغيرت النتيجة لاحقاً، فمن يتحمل تبعات ذلك؟
فالمستثمر لا يبدأ مشروعاً من فراغ.
هناك إيجار وتجهيزات، وأدوية، ورواتب، ورسوم، ومصاريف تشغيل، وديون قد تمتد لسنوات.
وفي حالة الدكتور محمد سالم أحمد، يقول إن جزءاً من رأس المال جاء من الاستدانة، ما يجعل قرار الإغلاق بالنسبة إليه لا يعني فقط توقف النشاط، وإنما استمرار الالتزامات المالية في الوقت الذي توقف فيه مصدر الدخل.
بين القانون وثقة المستثمر
المسألة هنا لا تتعلق بحق صاحب صيدلية في ممارسة نشاطه فقط، بل بصورة أوسع بثقة المواطن في الإدارة.
فالمواطن الذي يعود من الخارج للاستثمار في بلده يحتاج إلى أن تكون الإجراءات واضحة، والقياسات قابلة للتحقق، والقرارات قابلة للطعن، والقواعد مطبقة على الجميع.
وفي المقابل، فإن الجهات الرقابية مطالبة أيضاً بحماية النظام الصحي وتنظيم توزيع الصيدليات وفق القانون.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تكون القواعد واضحة وأن تطبق بطريقة متساوية وقابلة للتدقيق.
وثائق يجب أن تجيب عن الأسئلة
ولحسم الجدل، تبدو مجموعة من الوثائق أساسية في هذه القضية:
محضر المعاينة والقياس الذي سبق افتتاح الصيدلية.
الوثيقة التي تثبت المسافة 203 أمتار إن كانت متوفرة.
محضر القياس الثاني الذي حدد المسافة بـ198.5 متراً.
قرار الإغلاق وأسبابه القانونية.
ملف الترخيص والوثائق التي سمحت بافتتاح الصيدلية.
تحديد الطريقة الفنية المعتمدة في قياس المسافة.
قائمة الصيدليات الموجودة في المحيط نفسه والمسافات الفاصلة بينها.
توضيح الجهة المختصة بشأن معايير التعامل مع الصيدليات التي تقل مسافاتها عن الحد القانوني.
هذه الوثائق، إذا تم الاطلاع عليها، يمكن أن تحول القضية من مجرد رواية صاحب مشروع متضرر إلى ملف يمكن التحقق من تفاصيله ومساءلة الجهات المعنية حوله.
شهادة صاحب الصيدلية: «الأصعب أن تبدأ ثم يُهدم ما بنيته»
يختصر الدكتور محمد سالم أحمد معاناته في عبارة تختزل قصة سنوات من الغربة والاستثمار والاستدانة:
«عدت من الغربة أحمل شهادة وحلماً، وكنت أظن أن أصعب ما في الطريق هو أن تبدأ من الصفر، فإذا بي أكتشف أن الأصعب هو أن تبدأ ثم يُهدم ما بنيته دون أن تجد من يسمعك».
لكن «اليوم السابع الموريتاني» يرى أن الاستماع إلى طرف واحد لا يكفي لإغلاق هذا الملف.
فأين رواية الجهة التي أصدرت قرار الإغلاق؟
وهل كان القياس الأول رسمياً ومعتمداً؟
ولماذا اختلف عن القياس اللاحق؟
ومن يتحمل مسؤولية الفرق بين 203 و198.5 متراً؟
وهل توجد صيدليات أخرى في نواكشوط تقع في ظروف مماثلة؟
أسئلة تنتظر إجابات رسمية، لأن القضية ــ في جوهرها ــ ليست فقط قصة صيدلية أغلقت، وإنما اختبار لمدى وضوح الإجراءات، وتساوي تطبيق القانون، وحماية المستثمر الذي يبني قراره على وثائق وإجراءات صادرة عن الإدارة.
زر الذهاب إلى الأعلى