صحافة «بنكيلي» واستقالة ولد أجاي.. أين اختفى التعليق السياسي؟
اليوم السابع الموريتاني | قراءة في صمت المنصات الإعلامية
أمام لحظة سياسية مفصلية
لماذا غابت التعليقات السياسية المنتظرة من بعض المنصات الإعلامية، ومنها صحافة «بنكيلي»، بشأن استقالة الوزير الأول المختار ولد أجاي وحكومته؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد انتظار اتضاح الصورة، أم أن صمت بعض المنابر يطرح أسئلة أوسع عن استقلالية التحليل السياسي في موريتانيا؟
في صباح الجمعة 9 أكتوبر 2026، قدم الوزير الأول المختار ولد أجاي استقالة حكومته إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بعد يوم واحد من تسلّم الرئيس تقرير لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي الكهرباء بنواكشوط. وقد أكد الخبرَ رسمياً بيانٌ نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء، من دون أن يعلن أسباب الاستقالة بصورة تفصيلية.
من نقل الخبر إلى تفسير ما وراءه
لا تكمن أهمية الحدث في استقالة الحكومة وحدها، بل في توقيته أيضاً. فقد جاء القرار بعد أزمة كهرباء أثارت غضب المواطنين، وبعد تحقيق رسمي أعاد إلى الواجهة أسئلة المسؤولية الإدارية والفنية والتعاقدية، وما إذا كانت الاختلالات التي كشفها التقرير تستوجب إجراءات سياسية وإدارية وقضائية.
وكان النائب بيرام الداه اعبيد قد طالب، في موقف معلن يوم 8 أكتوبر، باستقالة الوزير الأول ووزير الطاقة والنفط، وإقالة المدير العام لشركة صوملك، على خلفية ما قال إنها اختلالات كشفها تقرير التحقيق.
هذه التطورات تجعل الحدث أكبر من مجرد تغيير حكومي؛ فهي تضع أداء الحكومة ومبدأ المساءلة أمام اختبار حقيقي.
لماذا تصمت بعض المنابر؟
يمكن طرح عدة تفسيرات محتملة لغياب التعليق السياسي، من دون الجزم بأي منها في حالة «بنكيلي» تحديداً:
انتظار اتضاح الصورة: قد تفضل بعض المنصات انتظار إعلان اسم الوزير الأول الجديد أو معرفة ما إذا كان التغيير سيشمل كامل الطاقم الحكومي.
الحذر التحريري: قد يتجنب بعض الصحفيين إصدار أحكام قبل ظهور التفاصيل الرسمية بشأن الاستقالة وتداعيات تقرير التحقيق.
حسابات سياسية أو تحريرية: يظل احتمال تأثير المصالح أو العلاقات السياسية في اختيار الموضوعات جديراً بالنقاش، لكنه يحتاج إلى أدلة ملموسة قبل نسبته إلى منصة بعينها.
ضعف ثقافة المساءلة: عندما يقتصر العمل الإعلامي على نقل البلاغات الرسمية، تتراجع مساحة التحليل الذي يربط القرارات الحكومية بنتائجها على حياة المواطنين.
ولا تتوافر، في المعلومات التي أمكن التحقق منها، أدلة كافية تسمح بالقول إن صحافة «بنكيلي» التزمت الصمت بسبب توجيهات سياسية أو ضغوط من جهة معينة. كما أن إثبات غياب التعليقات يتطلب مراجعة منشوراتها خلال الفترة المعنية.
الاختبار الحقيقي لاستقلالية الصحافة
إن استقالة الحكومة بعد تسلّم تقرير لجنة التحقيق تفرض على الإعلام أسئلة لا ينبغي أن تغيب عن النقاش العام: هل ستترتب على نتائج التحقيق مساءلة فعلية؟ وهل ستُحدد المسؤوليات بوضوح؟ وهل ستُراجع الصفقات والإجراءات التي أفضت إلى الاختلالات، إن ثبتت؟ وهل سيشعر المواطن بأن معاناته مع انقطاعات الكهرباء انتهت بإجراءات ملموسة، لا بمجرد تغيير أسماء المسؤولين؟
هذه الأسئلة لا تعني افتراض إدانة أي مسؤول، ولا تبرر تحويل الاستقالة إلى حكم مسبق على الأشخاص. لكنها تمثل جوهر الدور الرقابي للصحافة.
السؤال الذي ينتظر جواباً
لا يطالب الرأي العام الصحافة بأن تتبنى موقفاً سياسياً بعينه، وإنما ينتظر منها أن تشرح الوقائع، وتفحص القرارات، وتطرح الأسئلة الصعبة على السلطة والمعارضة معاً.
وإذا كانت «بنكيلي» قد غابت فعلاً عن التعليق على استقالة ولد أجاي، فإن السؤال المهني يظل مشروعاً: هل هو صمت مؤقت فرضته ضرورة التثبت، أم اختيار تحريري يستحق التفسير؟
فالإعلام لا يُقاس فقط بسرعة نشر الأخبار، بل أيضاً بقدرته على تفسيرها، ومساءلة أصحاب القرار، وعدم ترك القضايا التي تمس حياة المواطنين رهينة البيانات الرسمية وحدها.
اليوم السابع الموريتاني — mauri7.net
زر الذهاب إلى الأعلى