آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة
ذهبٌ أسود.. وأموالٌ رمادية: هل أصبح قطاع النفط في موريتانيا بوابةً جديدة للفساد
ذهبٌ أسود.. وأموالٌ رمادية: هل أصبح قطاع النفط في موريتانيا بوابةً جديدة للفساد
يوليو 21, 2026

ذهبٌ أسود.. وأموالٌ رمادية: هل أصبح قطاع النفط في موريتانيا بوابةً جديدة للفساد؟
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني تحقيق استقصائي
منذ دخول موريتانيا نادي الدول المنتجة للنفط والغاز، ارتفعت آمال المواطنين في أن تشكل هذه الثروة رافعة للتنمية، وأن تسهم في تحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل. غير أن التجارب في العديد من الدول الغنية بالموارد الطبيعية أظهرت أن غياب الشفافية والرقابة قد يحول هذه الثروة إلى مصدر للهدر والفساد، وهو ما يجعل التساؤلات حول إدارة قطاع النفط في موريتانيا مشروعة.
ثروة واعدة… وأسئلة متزايدة
يمثل قطاع النفط والغاز أحد أهم القطاعات الاقتصادية الواعدة في موريتانيا، خاصة بعد بدء إنتاج الغاز من مشروع السلحفاة آحميم الكبير (GTA)، إلى جانب استمرار أنشطة الاستكشاف في عدة أحواض بحرية وبرية.
لكن مع تزايد الاستثمارات بمليارات الدولارات، تبرز أسئلة عديدة:
-
كيف تُمنح رخص الاستكشاف؟
-
من يراقب العقود النفطية؟
-
كيف تُدار الإيرادات؟
-
وهل توجد رقابة مستقلة على الإنفاق؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود فساد، لكنها تمثل عناصر أساسية لأي نظام حوكمة رشيد.
أين يمكن أن يتسلل الفساد؟
يرى خبراء الحوكمة أن قطاع النفط يعد من أكثر القطاعات عرضة لمخاطر الفساد، خصوصًا في المراحل التالية:
أولًا: منح التراخيص
قد تظهر المخاطر إذا مُنحت التراخيص دون منافسة شفافة أو وفق معايير غير معلنة، ما قد يفتح الباب أمام تضارب المصالح أو المحاباة.
ثانيًا: العقود والخدمات
تُبرم الشركات النفطية عقودًا ضخمة مع شركات للمقاولات والخدمات والنقل. وإذا غابت المنافسة والشفافية، فقد تُمنح العقود لجهات مقربة من أصحاب القرار بدلًا من الشركات الأكثر كفاءة.
ثالثًا: المشتريات
يشمل القطاع مشتريات بمبالغ كبيرة تتعلق بالمعدات والخدمات اللوجستية، وهي من أكثر المجالات عرضة لتضخيم الأسعار أو تضارب المصالح إذا غابت الرقابة.
رابعًا: إدارة الإيرادات
بعد تحصيل الدولة لعائداتها، يصبح السؤال الأهم: كيف تُصرف هذه الأموال؟ وهل توجد آليات واضحة لمتابعة أوجه الإنفاق وضمان وصولها إلى مشاريع التنمية؟
ماذا تقول المؤشرات الدولية؟
تشير تقارير دولية متخصصة إلى أن الصناعات الاستخراجية تتطلب أعلى مستويات الشفافية بسبب ضخامة الأموال المتداولة فيها. ولهذا انضمت موريتانيا إلى مبادرات دولية تهدف إلى تعزيز الإفصاح عن الإيرادات والعقود بين الدولة والشركات العاملة في القطاع.
كما تنشر الجهات المختصة تقارير دورية حول بعض الإيرادات والمدفوعات، وهو ما يمثل خطوة إيجابية، إلا أن خبراء يرون أن نشر البيانات وحده لا يكفي ما لم يصاحبه تدقيق مستقل ومساءلة فعالة.
التحديات القائمة
من أبرز التحديات التي يناقشها المختصون:
-
محدودية نشر بعض تفاصيل العقود.
-
الحاجة إلى تعزيز الرقابة البرلمانية.
-
تطوير قدرات هيئات التفتيش والتدقيق.
-
تعزيز الإفصاح عن المالكين المستفيدين من الشركات المتعاقدة.
-
إشراك المجتمع المدني والإعلام في متابعة القطاع.
كيف يمكن الحد من المخاطر؟
يقترح مختصون في الحوكمة مجموعة من الإجراءات، منها:
-
نشر جميع العقود النفطية وإتاحتها للرأي العام.
-
اعتماد مناقصات تنافسية وشفافة.
-
تقوية دور البرلمان ومحكمة الحسابات والهيئات الرقابية.
-
إخضاع الصفقات الكبرى لتدقيق دوري مستقل.
-
نشر تقارير دورية مفصلة عن الإيرادات وأوجه الإنفاق.
-
حماية المبلغين عن الفساد وتشجيع الصحافة الاستقصائية.
بين الفرصة والمسؤولية
تمثل ثروة النفط والغاز فرصة تاريخية لموريتانيا لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين، لكن نجاح هذه الفرصة يعتمد على قوة مؤسسات الدولة، وفعالية الرقابة، وشفافية إدارة الموارد.
ولا توجد أدلة عامة تبرر التعميم بوجود فساد ممنهج في القطاع، إلا أن طبيعة الصناعات الاستخراجية تستوجب رقابة مستمرة، وإتاحة المعلومات، وتفعيل المساءلة لضمان أن تتحول عائدات النفط والغاز إلى مشاريع تنموية يستفيد منها جميع المواطنين، لا إلى مصدر لإهدار المال العام أو تضارب المصالح.
خاتمة
يبقى السؤال الذي يشغل الرأي العام: هل ستنجح موريتانيا في تجنب “لعنة الموارد” التي واجهتها دول أخرى، أم ستتمكن من بناء نموذج يقوم على الشفافية والحوكمة الرشيدة؟ الإجابة لن تعتمد على حجم الإنتاج فقط، بل على قوة المؤسسات، واستقلالية الرقابة، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بإدارة ثرواتهم الوطنية.
يوليو 21, 2026




