آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

البكالوريا في موريتانيا.. لماذا تتكرر صدمة النتائج كل عام

البكالوريا في موريتانيا.. لماذا تتكرر صدمة النتائج كل عام

البكالوريا في موريتانيا.. لماذا تتكرر صدمة النتائج كل عام

نواكشوط اليوم السابع الموريتاني

نتائج البكالوريا في موريتانيا.. أرقام صادمة تكشف أزمة تعليم تتجاوز قاعات الامتحان

تتجدد في موريتانيا، مع إعلان نتائج البكالوريا كل عام، حالة من الجدل الواسع بشأن تدني نسب النجاح، وتتعالى الأصوات المطالبة بالكشف عن أسباب هذا الإخفاق المتكرر، الذي أصبح مصدر قلق للأسر والتلاميذ والمهتمين بالشأن التربوي.

ورغم أن النقاش غالبًا ما ينصب على صعوبة الامتحانات أو ضعف تحضير المترشحين، فإن واقع التعليم يكشف أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، وأن نتائج البكالوريا ليست سوى المحطة الأخيرة التي تظهر فيها اختلالات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

ضعف التأسيس.. بداية الأزمة

يصل عدد كبير من التلاميذ إلى المرحلة الثانوية وهم يعانون ضعفًا واضحًا في القراءة والكتابة والحساب وفهم النصوص، وهي مهارات أساسية لا يمكن للتلميذ من دونها استيعاب المواد العلمية والأدبية في المراحل المتقدمة.

ومع انتقال التلميذ من مستوى دراسي إلى آخر من دون معالجة نواقصه، تتراكم الصعوبات إلى أن يصل إلى السنة النهائية وهو غير قادر على مواكبة المقرر أو التعامل مع أسئلة البكالوريا التي تتطلب الفهم والتحليل، لا الحفظ وحده.

نقص تكوين المدرسين

يمثل ضعف التكوين الأساسي والمستمر لبعض المدرسين أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية. فعدد من الأساتذة يعملون في ظروف صعبة، وسط نقص في التأطير والتفتيش والوسائل التعليمية، إضافة إلى اكتظاظ الفصول وارتفاع أعداد التلاميذ.

كما أن عدم انتظام برامج التكوين المستمر يحرم المدرسين من تطوير مهاراتهم والاطلاع على أساليب تدريس حديثة تساعد التلميذ على الفهم والمشاركة، بدل الاعتماد على الإملاء والتلقين.

ولا يمكن، في المقابل، تحميل المدرس كامل المسؤولية في ظل غياب الوسائل الضرورية، وضعف التحفيز، وعدم استقرار بعض الطواقم التربوية.

الحفظ بدل الفهم

لا يزال الحفظ يشكل الأسلوب الأكثر حضورًا في عدد من المؤسسات التعليمية، حيث يركز التلميذ على استظهار الدروس والتعريفات والنماذج الجاهزة، بدل فهم الأفكار وتحليلها وتطبيقها.

وتظهر خطورة هذا الأسلوب خلال امتحانات البكالوريا، عندما يواجه المترشح سؤالًا بصياغة مختلفة عما اعتاده، فيعجز عن توظيف المعلومات التي حفظها، رغم أنه قد يكون قضى وقتًا طويلًا في مراجعة المقرر.

ويزداد الوضع تعقيدًا عندما يتأخر إكمال البرامج الدراسية، فتتحول الأسابيع الأخيرة من العام إلى سباق لإنهاء المقرر، بدل تخصيص الوقت للمراجعة والتطبيق وتصحيح مواطن الضعف.

إشكالية لغات التدريس

تعد مسألة لغات التدريس من أكثر القضايا تأثيرًا في التحصيل العلمي للتلاميذ، خصوصًا في الشعب العلمية، حيث يواجه بعض الطلاب صعوبة في فهم المصطلحات أو التعبير عن الإجابة باللغة المطلوبة.

وقد يفهم التلميذ الفكرة العلمية، لكنه يتعثر في قراءة السؤال أو صياغة جواب دقيق، بسبب ضعف مستواه في العربية أو الفرنسية، أو بسبب عدم التدرج في تعليمه باللغة المستخدمة في تدريس المادة.

وتحتاج هذه المشكلة إلى معالجة هادئة وعلمية، بعيدًا عن التجاذبات، من خلال تقوية قدرات التلاميذ اللغوية وضمان إتقان المدرسين للغة التي يقدمون بها دروسهم.

الاكتظاظ وضعف البنية التحتية

تعاني مؤسسات تعليمية عديدة من اكتظاظ الفصول، ونقص الحجرات الدراسية، وغياب المختبرات والمكتبات، إضافة إلى ضعف خدمات الماء والكهرباء ودورات المياه في بعض المناطق.

وفي بعض المؤسسات، قد يدرس عشرات التلاميذ داخل فصل واحد، وهو ما يحد من قدرة المدرس على متابعة كل تلميذ، ويجعل اكتشاف حالات الضعف ومعالجتها أمرًا بالغ الصعوبة.

كما توجد فوارق واضحة بين المؤسسات الموجودة في العاصمة وتلك الواقعة في الولايات الداخلية، فضلًا عن التفاوت بين التعليم العمومي وبعض مؤسسات التعليم الخاص.

الفقر والظروف الاجتماعية

لا يدخل جميع المترشحين امتحان البكالوريا في ظروف متساوية. فبعض التلاميذ يعيشون في أسر محدودة الدخل، ولا تتوفر لهم الكتب أو وسائل النقل أو مكان مناسب للمراجعة.

ويضطر آخرون إلى العمل لمساعدة أسرهم، بينما يعاني تلاميذ في المناطق الريفية من بُعد المؤسسات التعليمية، ونقص المدرسين، وصعوبة الوصول إلى الدروس والوسائل التربوية.

كما يؤدي ضعف متابعة الأسرة، أحيانًا بسبب الأمية أو الظروف الاقتصادية، إلى غياب التوجيه المبكر، وعدم اكتشاف تعثر التلميذ إلا بعد فوات الأوان.

غياب المتابعة والتقويم المستمر

تتطلب معالجة ضعف النتائج إجراء اختبارات تشخيصية منذ بداية العام الدراسي، لتحديد مستوى كل تلميذ ووضع برامج دعم للمتعثرين.

لكن المتابعة في بعض المؤسسات تظل محدودة، ويستمر التلميذ في الدراسة رغم وجود ثغرات كبيرة في مستواه، إلى أن يصل إلى البكالوريا، حيث لا يمكن معالجة سنوات من الضعف خلال أشهر قليلة أو عبر دروس خصوصية مكثفة.

البكالوريا تكشف الأزمة ولا تصنعها

إن التركيز على نسبة النجاح وحدها قد يؤدي إلى تشخيص غير دقيق للمشكلة. فرفع النتائج لا ينبغي أن يتم عبر تسهيل الامتحانات أو التساهل في التصحيح، وإنما من خلال إصلاح حقيقي يبدأ من التعليم الأساسي.

فالبكالوريا ليست سبب أزمة التعليم، بل هي المرآة التي تعكسها. وكلما كانت نتائجها ضعيفة، دل ذلك على وجود خلل في التأسيس والتدريس والتوجيه والمتابعة والظروف الاجتماعية المحيطة بالتلميذ.

إصلاح طويل المدى

يتطلب تحسين نتائج البكالوريا خطة وطنية شاملة، تقوم على رفع مستوى المدرسين، وتقليل اكتظاظ الفصول، وتوفير الكتب والمختبرات، وتعزيز تدريس اللغات، وإطلاق برامج دعم للتلاميذ المتعثرين.

كما يتطلب الأمر نشر نتائج مفصلة حسب الولايات والمؤسسات والمواد، حتى يمكن تحديد مواطن الخلل، ومساءلة الجهات المعنية، وتوجيه الموارد إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

ويبقى نجاح الإصلاح مرهونًا بتعاون الوزارة والمدرسين والإدارات التربوية والأسر والتلاميذ، بعيدًا عن تبادل الاتهامات وتحميل طرف واحد مسؤولية أزمة تشترك في صنعها عوامل متعددة.

إن تدني نتائج البكالوريا في موريتانيا ليس مجرد رقم يعلن نهاية كل عام دراسي، بل رسالة تحذير متكررة تؤكد أن مستقبل آلاف الشباب يحتاج إلى إصلاح جاد، يبدأ من الفصل الدراسي وينتهي ببناء مدرسة قادرة على تكوين أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للمنافسة والنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى