أكثر من 700 صفقة تراضٍ في عهد الغزواني… والرقم الكامل تبتلعه فجوات النشر
أكثر من 700 صفقة تراضٍ في عهد الغزواني… والرقم الكامل تبتلعه فجوات النشر

أكثر من 700 صفقة تراضٍ في عهد الغزواني… والرقم الكامل تبتلعه فجوات النشر
تحقيق صحفي اليوم السابع الموريتاني
منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة في أغسطس 2019، ظلت صفقات التراضي واحدة من أكثر ملفات الإنفاق العمومي إثارة للجدل في موريتانيا، بالنظر إلى أنها تُبرم من دون منافسة مفتوحة، وتمنح مباشرة لمتعهد أو شركة محددة.
وبعد مراجعة التقارير الرسمية للجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية، ومحاضرها المنشورة، والتصريحات الحكومية، والإحصاءات الصحفية المستندة إلى وثائق اللجنة، توصل التحقيق إلى نتيجة أساسية: لا توجد حتى الآن حصيلة رسمية تراكمية منشورة تحدد بدقة عدد صفقات التراضي التي أُبرمت طوال عهد الغزواني.
لكن الأرقام المتاحة تكشف أن عددها تجاوز 700 صفقة على الأقل، دون احتساب سنة 2025، والأشهر الأخيرة من 2022، ومعظم سنة 2026.
701 صفقة موثقة حتى نهاية 2024
في أغسطس 2022، نشرت وكالة الأخبار المستقلة إحصائية قالت إنها تغطي السنوات الثلاث الأولى من حكم الغزواني، أي الفترة الممتدة من أغسطس 2019 إلى الأشهر الأولى من سنة 2022.
ووفق الإحصائية، أُبرمت خلال تلك الفترة 385 صفقة تراضٍ، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 183 مليار أوقية قديمة. وكانت هذه الصفقات جزءًا من 1519 صفقة عمومية أنفقت عليها الدولة نحو 523 مليار أوقية قديمة.
أما التقرير الرسمي للجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية عن سنة 2023، فأكد إبرام 182 صفقة تراضٍ بقيمة بلغت نحو 9.336 مليارات أوقية جديدة، أي أكثر من 93.36 مليار أوقية قديمة.
وفي سنة 2024، انخفض العدد إلى 134 صفقة، بقيمة بلغت نحو 5.487 مليارات أوقية جديدة، بما يعادل نحو 54.87 مليار أوقية قديمة. وأصبحت صفقات التراضي تمثل 14.98% من القيمة الإجمالية للصفقات العمومية المسجلة خلال السنة.
وبجمع الفترات غير المتداخلة المتاحة، نحصل على:
| الفترة | عدد صفقات التراضي | القيمة |
|---|---|---|
| أغسطس 2019 – الأشهر الأولى من 2022 | 385 | 183 مليار أوقية قديمة |
| سنة 2023 | 182 | 93.36 مليار أوقية قديمة |
| سنة 2024 | 134 | 54.87 مليار أوقية قديمة |
| المجموع الموثق | 701 صفقة | أكثر من 331.2 مليار أوقية قديمة |
هذا الرقم لا يمثل الحصيلة النهائية، بل حدًا أدنى قابلًا للتوثيق؛ لأنه لا يشمل بقية سنة 2022 بعد الفترة التي غطتها الإحصائية الأولى، ولا سنة 2025، ولا معظم سنة 2026.
لماذا لا يمكن إضافة رقم 2022 كاملًا؟
يكشف تقرير اللجنة عن سنة 2023 أن عدد صفقات التراضي خلال سنة 2022 بكاملها بلغ 137 صفقة، بقيمة تجاوزت 11.72 مليار أوقية جديدة.
لكن لا يمكن إضافة هذا الرقم كاملًا إلى الـ385 صفقة السابقة، لأن إحصائية السنوات الثلاث الأولى شملت بالفعل جزءًا من سنة 2022، وإضافته سيؤدي إلى احتساب بعض الصفقات مرتين.
ويظهر التقرير أن العدد ارتفع من 137 صفقة سنة 2022 إلى 182 صفقة سنة 2023، أي بزيادة قدرها 32.8%، رغم انخفاض القيمة الإجمالية لهذه الصفقات بنحو 20%.
وهذا يعني أن سنة 2023 شهدت زيادة في عدد الصفقات المباشرة، مقابل انخفاض متوسط قيمتها مقارنة بسنة 2022.
سنة 2025: نسبة بلا عدد
في يناير 2026، أعلن الوزير الأول المختار ولد أجاي أمام الجمعية الوطنية أن نسبة صفقات التراضي انخفضت إلى 13.6% من إجمالي الصفقات العمومية خلال سنة 2025، بعد أن كانت 34.1% سنة 2019.
لكن العرض الحكومي لم يحدد عدد هذه الصفقات، ولا قيمتها المالية الإجمالية، ولم يوضح ما إذا كانت النسبة محسوبة وفق عدد الصفقات أم قيمتها، رغم أن التقارير السابقة كانت تعرض النسبة المالية إلى جانب العدد.
وحتى إعداد هذا التحقيق، لم نعثر ضمن المصادر الرسمية المنشورة التي راجعناها على تقرير سنوي مفصل للجنة الرقابة يحدد عدد صفقات التراضي المبرمة خلال 2025.
وبالتالي فإن الحديث المتداول عن وجود ست صفقات فقط سنة 2025 غير دقيق؛ إذ إن الرقم الذي تحدث عنه الرئيس في جكني كان 6% وليس ست صفقات، كما أن البيان الحكومي اللاحق وضع النسبة السنوية عند 13.6%.
يونيو 2026: 40 موافقة و15 ملفًا مؤجلًا
في يونيو 2026 وحده، أحصت وكالة الأخبار، استنادًا إلى خمسة محاضر للجنة الوطنية لرقابة الصفقات، 55 طلبًا متعلقًا بصفقات تراضٍ.
وافقت اللجنة على إبرام 40 صفقة، بينما أجلت البت في 15 ملفًا، ما يعني أنه لا يجوز وصف الصفقات الـ55 كلها بأنها أُبرمت بصورة نهائية.
وتصدرت الموريتانية للطيران القائمة بـ11 صفقة تتعلق أساسًا بالوقود والصيانة، تلتها المركزية للشراء وتموين السوق بتسع صفقات، ثم مفوضية الأمن الغذائي بثماني صفقات.
كما ظهرت قطاعات المياه والإسكان والتجهيز والصحة وتمكين الشباب ومندوبية تآزر ومعادن موريتانيا ضمن الجهات الأكثر لجوءًا إلى الإجراء المباشر.
وإذا أضيفت الموافقات الأربعون الصادرة في يونيو 2026 إلى الصفقات الـ701 الموثقة حتى نهاية 2024، يرتفع الرقم إلى 741 صفقة أو موافقة موثقة على الأقل.
لكن هذا الجمع يظل تقريبيًا؛ لأن الموافقة المسبقة لا تعني بالضرورة أن العقد وُقّع ونُفذ بالفعل، كما أن صفقات سنة 2025 وبقية أشهر 2026 غير مدرجة.
معلومات أساسية غائبة عن المحاضر
المشكلة لا تتوقف عند غياب العدد التراكمي؛ فمحاضر يونيو 2026 لم تتضمن، وفق الإحصائية المنشورة، بيانات أساسية من بينها:
-
القيمة المالية لكل صفقة؛
-
اسم الشركة أو الجهة المستفيدة؛
-
مدة تنفيذ العقد؛
-
المبرر القانوني التفصيلي للجوء إلى التراضي؛
-
ما إذا كانت الصفقة قد وُقعت بعد موافقة اللجنة.
وتقول وكالة الأخبار إن اللجنة كانت تنشر هذه التفاصيل سابقًا، لكنها غابت عن المحاضر خلال السنوات الأخيرة.
ويجعل هذا النقص من الصعب على الصحافة والمجتمع المدني تتبع مسار الأموال العمومية، أو مقارنة الأسعار، أو معرفة ما إذا كانت الشركات نفسها تتكرر في قطاعات مختلفة.
هل صفقة التراضي فساد بالضرورة؟
من الناحية القانونية، صفقة التراضي ليست فسادًا تلقائيًا، بل إجراء استثنائي يسمح به القانون في حالات محددة؛ من بينها وجود مزود وحيد، أو حقوق حصرية، أو أسباب فنية، أو ضرورة استكمال عقد سابق، أو حالة استعجال قاهرة لا تسمح بتنظيم مناقصة.
ويُفترض أن يكون اللجوء إليها مسبوقًا بتقرير معلل، ورأي اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات، وأن تُنشر الصفقة بعد توقيعها لدى سلطة تنظيم الصفقات العمومية.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى طريقة متكررة للشراء، أو عندما تغيب تفاصيل الأسعار والمستفيدين ومبررات اختيارهم.
وقد حذر التقرير الرسمي للجنة عن سنة 2021 من توسع بعض المؤسسات في طلب الأنظمة والاستثناءات الخاصة، معتبرًا أن هذا التوجه قد يفرغ قانون الصفقات من محتواه، ويضر بصورة المنظومة، ويغذي الشكوك بشأن شفافيتها.
حتى الأرقام الرسمية لا تشمل الجميع
يؤكد تقرير اللجنة عن سنة 2023 أن إحصاءاتها لا تشمل جميع المؤسسات والصفقات العمومية.
فقد استُبعدت منها، بسبب أنظمة قانونية خاصة، صفقات وزارة الدفاع، والبنك المركزي، وسلطة منطقة نواذيبو الحرة، والشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»، وسلطة التنظيم متعددة القطاعات، إلى جانب بعض المشتريات المرتبطة بالحالات الإنسانية والطبية المستعجلة.
وهذا الاستثناء يعني أن أي حصيلة مستخرجة من تقارير اللجنة تبقى ناقصة، ولا تمثل بالضرورة جميع العقود المباشرة التي أبرمتها الدولة ومؤسساتها.
وقد أثارت صفقة منحتها سلطة تنظيم الاتصالات لشركة هواوي، بقيمة 18 مليون يورو، جدلًا سابقًا؛ إذ أفادت تقارير صحفية بأنها مُنحت بالتراضي خارج رقابة اللجنة، مستندة إلى النظام القانوني الخاص بالسلطة. ودافعت الجهات المعنية عن الصفقة باعتبارات فنية واستعجالية، بينما انتقد التقرير الصحفي غياب المنافسة وارتفاع السعر المعلن.
الرقابة لا تنتهي عند توقيع العقد
تشير تقارير اللجنة إلى أن مشكلات الصفقات العمومية لا ترتبط بطريقة منحها فقط، بل تمتد إلى مرحلة التنفيذ.
فخلال عمليات المتابعة سنة 2023، سجلت اللجنة تأخرًا في تنفيذ عدد من العقود، وعدم مطابقة بعض الوسائل المستخدمة لما ورد في الالتزامات، وضعفًا في المتابعة الفنية، إضافة إلى حالات تجاوزت فيها نسب الصرف المالي مستوى الإنجاز الفعلي.
ولا يعني التقرير أن هذه الاختلالات تخص صفقات التراضي وحدها، لكنه يكشف أن الحصول على موافقة قانونية لا يكفي لضمان جودة التنفيذ أو حماية المال العام.
الخلاصة
تكشف الوثائق المتاحة أن عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شهد ما لا يقل عن 701 صفقة تراضٍ موثقة حتى نهاية 2024، تجاوزت قيمتها في الفترات التي تتوفر بشأنها بيانات مالية 331 مليار أوقية قديمة.
كما وافقت لجنة الرقابة على 40 صفقة إضافية خلال يونيو 2026 وحده، بينما أجلت 15 ملفًا آخر.
وبذلك يمكن القول إن الرقم الموثق يصل إلى 741 صفقة أو موافقة على الأقل، لكنه لا يمثل الحصيلة النهائية، بسبب غياب عدد صفقات 2025، وعدم اكتمال بيانات 2022 و2026، واستبعاد مؤسسات عمومية مهمة من نطاق تقارير اللجنة.
أما الرقم الدقيق، فلن يكون ممكنًا إلا بنشر سجل وطني موحد يتضمن كل صفقة تراضٍ، وقيمتها، والمستفيد منها، ومبرر منحها، وتاريخ توقيعها، ومستوى تنفيذها.
المصادر
-
تقرير اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية عن سنة 2023.
-
تقرير اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية عن سنة 2024.
-
تقرير اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية عن سنة 2021.
-
إحصائية وكالة الأخبار عن الصفقات خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الغزواني، 12 أغسطس 2022.
-
عرض الوزير الأول لحصيلة العمل الحكومي لسنة 2025 أمام الجمعية الوطنية، منشور لدى الوكالة الموريتانية للأنباء.
-
إحصائية وكالة الأخبار المستندة إلى محاضر لجنة الرقابة خلال يونيو 2026.
-
وثائق اللجنة المتعلقة بالقواعد القانونية وشروط اللجوء إلى التراضي.
-
تحقيق صفقة الاتصالات الممنوحة لشركة هواوي.



