آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

تحقيق يكشف كيف تحولت لقطة من المؤتمر الصحفي إلى مادة للجدل والفبركة الإعلامية

تحقيق يكشف كيف تحولت لقطة من المؤتمر الصحفي إلى مادة للجدل والفبركة الإعلامية

تحقيق يكشف كيف تحولت لقطة من المؤتمر الصحفي إلى مادة للجدل والفبركة الإعلامية

تحقيق: اليوم السابع الموريتاني

أثارت صورة مركبة، جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، جدلًا حول حقيقة اللقطات المصورة خلال المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الجمهورية. وتضع الصورة نسختين متجاورتين من المشهد نفسه، مع دائرة خضراء حول الأذن في إحدى النسختين، في محاولة للإيحاء بوجود اختلاف تشريحي قد يكون ناتجًا عن تركيب الوجه أو استخدام الذكاء الاصطناعي.

لكن الفحص التقني للصورة، ومقارنتها بالمصادر الرسمية المتاحة، يقودان إلى نتيجة مختلفة: لا يوجد حتى الآن دليل يثبت تبديل الوجه أو صناعة المشهد بالذكاء الاصطناعي، بينما توجد مؤشرات واضحة على أن المقارنة نفسها أُعدّت بطريقة مضللة.

الحدث حقيقي وموثق بالصوت والصورة

بدأ التحقيق بالعودة إلى أصل المناسبة. فقد عُقد المؤتمر الصحفي مساء الجمعة 24 يوليو 2026 بالقصر الرئاسي في نواكشوط، بحضور عشرات الصحفيين وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وفق ما نشرته رئاسة الجمهورية رسميًا. كما بثت الصفحة الرسمية للرئاسة مقاطع متعددة من المؤتمر، تظهر المكان والمتحدثين وزوايا التصوير المختلفة.

وبذلك، فإن الحديث عن صناعة المؤتمر كاملًا أو اختلاق وجود الرئيس أمام الصحفيين لا تدعمه الوقائع؛ لأن المناسبة موثقة بمقاطع متحركة وصور متعددة وشهادات حضور، وليست مبنية على صورة ثابتة واحدة.

ماذا كشف فحص الصورة المتداولة؟

أجرى اليوم السابع الموريتاني فحصًا تقنيًا للملف المتداول، الذي تبلغ أبعاده 1060 في 540 بكسل، ويتكون من صورتين موضوعتين جنبًا إلى جنب داخل إطار أسود.

وأظهر الفحص النتائج التالية:

1. الصورتان تعودان إلى الإطار نفسه

تم العثور على أكثر من 370 نقطة تطابق بصري بين الصورتين، تشمل مواضع العينين والأنف والفم والميكروفون والكرسي والخلفية.

كما أظهرت المحاذاة الهندسية أن الاختلاف في زاوية التصوير يكاد يكون معدومًا، ما يعني أن الصورتين ليستا ملتقطتين في لحظتين مختلفتين، بل هما نسختان من اللقطة نفسها تقريبًا.

2. النسخة اليسرى أكثر حدة وتباينًا

تبدو تفاصيل الوجه والأذن والملابس في الصورة اليسرى أكثر وضوحًا، مع زيادة في الحدة والتباين وإبراز حواف الجلد. أما الصورة اليمنى فتبدو أكثر نعومة وضبابية، وتظهر عليها آثار الضغط الرقمي وانخفاض الجودة.

وعند زيادة الحدة إلكترونيًا، تصبح حواف الأذن والتجاعيد والظلال أكثر بروزًا، وقد تظهر بعض الخطوط وكأنها تغيرت، رغم أن البنية الأصلية للصورة لم تتغير.

3. الدائرة الخضراء توجه نظر المتلقي

لم تُستخدم الدائرة الخضراء لتقديم قياس أو مقارنة علمية، وإنما وُضعت لجذب العين نحو منطقة محددة وإقناع المتلقي مسبقًا بأن هناك خللًا فيها.

وهذه إحدى تقنيات التضليل البصري الشائعة: يتم تحديد تفصيل صغير، ثم تكبيره أو وضع دائرة حوله، من دون عرض النسخة الأصلية أو شرح الفروق الناتجة عن جودة الصورة والضغط والمعالجة.

هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟

لا يحتوي الملف المتداول على معلومات تقنية كافية تسمح بإثبات استخدام الذكاء الاصطناعي. كما أنه لا يتضمن بيانات أصلية من الكاميرا تحدد وقت التصوير أو الجهاز المستخدم أو البرامج التي عولجت بها الصورة.

ويحتوي الملف على رمز تقني يبدأ بـ FBMD، وهو مؤشر على أن النسخة مرت عبر بيئة مرتبطة بفيسبوك أو أُعيد حفظها منه، لكنه لا يكشف اسم صاحب المنشور الأول ولا يحدد البرنامج الذي عدّل الصورة.

لذلك لا يمكن الجزم بأن النسخة المحسنة أُنتجت بالذكاء الاصطناعي؛ فقد تكون عولجت بواسطة برنامج عادي لزيادة الوضوح والحدة أو بواسطة تطبيق لتحسين الصور.

وتؤكد معايير توثيق المحتوى الرقمي أن معرفة حقيقة الصورة لا تعتمد على شكلها فقط، بل على توفر سجل يوضح مصدرها وكيف أُنشئت والتعديلات التي خضعت لها. كما أن غياب هذا السجل لا يثبت وحده أن الصورة مزورة، لكنه يجعل تتبع تاريخها أكثر صعوبة.

أين تقع الفبركة إذن؟

الفبركة الإعلامية لا تعني دائمًا اختراع صورة كاملة أو تركيب وجه شخص على جسد آخر. فقد تحدث الفبركة من خلال:

  • وضع نسختين مختلفتي الجودة جنبًا إلى جنب.

  • إخفاء مصدر الصورة الأصلية.

  • استخدام عنوان استفهامي مثير يوحي بوجود فضيحة.

  • تكبير تفصيل صغير خارج سياقه.

  • إضافة دوائر وأسهم لتعزيز استنتاج غير مثبت.

  • تقديم المعالجة الرقمية باعتبارها دليلًا على تبديل الأشخاص.

في هذه الحالة، تبدو المشكلة الأساسية في طريقة عرض المقارنة؛ إذ تُقدَّم نسختان مختلفتان في الحدة والجودة وكأنهما صورتان مستقلتان، ثم يُطلب من الجمهور البحث عن اختلافات بينهما.

الحكم النهائي للتحقيق

بناءً على الفحص التقني والمصادر الرسمية:

الحدث المصور حقيقي وموثق رسميًا.

الصورتان المتداولتان تعودان إلى الإطار نفسه، وليستا صورتين مستقلتين.

الفروق الظاهرة ناتجة أساسًا عن اختلاف الحدة والضغط والمعالجة الرقمية.

لا يوجد دليل تقني كافٍ يثبت استبدال الوجه أو صناعة اللقطة بتقنية التزييف العميق.

الصورة المركبة مضللة في طريقة تقديمها، لأنها تقارن نسختين مختلفتي المعالجة من دون توضيح ذلك.

معركة الثقة

تكمن خطورة هذا النوع من المنشورات في أنه لا يقدم ادعاءً صريحًا يمكن تفنيده بسهولة، بل يترك الجمهور أمام سؤال موحٍ: «هل لاحظتم الفرق؟».

وبمجرد انتشار السؤال، تتحول الشبهة إلى رواية، والرواية إلى «حقيقة» متداولة، حتى لو لم يقدم ناشر الصورة مصدرًا أصليًا أو تسجيلًا كاملًا أو تحليلًا تقنيًا موثوقًا.

إن حماية الرأي العام من الفبركة لا تتطلب فقط كشف الصور المصنوعة بالكامل، بل تتطلب أيضًا مواجهة الاجتزاء، والمعالجة غير المعلنة، والمقارنات المضللة، والعناوين التي تصنع الاتهام قبل ظهور الدليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى