فضحنا العليان.. حين جاء المؤثر ليكشف لنا أنفسنا
نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
لم يأتِ خالد العليان إلى موريتانيا ليكشف أسرارها، ولم يحمل معه كاميرا تبحث عن فضيحة، ولا ميكروفوناً يفتش عن زلة لسان.
جاء الرجل، تجول، تحدث إلى الناس، لامس تفاصيل الحياة اليومية، ولاطف الأطفال، وأظهر في محتواه وجهاً جميلاً من موريتانيا.
لكن المفارقة أن الرجل، من حيث لا يدري، فضحنا نحن!
فضحنا حين جعلنا نكتشف أن “المؤثر” ليس بالضرورة ذلك الذي يصرخ، أو يشتم، أو يسخر من الناس، أو يحول الحياة الخاصة للآخرين إلى مادة للفرجة.
وفضحنا حين أثبت أن صناعة المحتوى يمكن أن تكون شيئاً آخر غير “الترند” المصنوع من الضجيج، والخصومات، والغيبة، والنميمة، واستعراض التفاهة أمام جمهور لا يعرف أحياناً لماذا يتابع، ولا ماذا يستفيد.
لدينا، للأسف، مشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في منحنا بعض أصحاب المحتوى مفاتيح التأثير دون أن نسأل: ماذا سيصنعون بهذا التأثير؟
فبعضهم لا يقدم معرفة، ولا يضيف وعياً، ولا يزرع قيمة، لكنه يملك وصفة سحرية للانتشار: قليل من الصراخ، قليل من الإثارة، كثير من الكلام، والباقي يتكفل به “الخوارزم”.
والأخطر أن الأطفال لا يشاهدون فقط؛ بل يقلدون.
يقلدون الكلمات، والحركات، وطريقة الحديث، وأحياناً حتى أساليب السخرية من الآخرين. وهنا تتحول التفاهة من مجرد محتوى عابر إلى تربية غير معلنة.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تغيرت لغة أبنائنا؟ ولماذا أصبح بعضهم يعتقد أن الشهرة غاية بحد ذاتها؟
يا سادة، نحن الذين صنعنا هؤلاء “المؤثرين”.
نحن من ضغطنا زر المتابعة، ونحن من منحنا المشاهدة، ونحن من رفعنا المحتوى الهابط إلى قوائم الأكثر تداولاً، ثم جلسنا بعد ذلك نشكو من مستوى الخطاب!
أما العليان، فقد فعل شيئاً بسيطاً جداً: أرانا أن بإمكان المؤثر أن يكون محترماً دون أن يكون مملاً، وشعبياً دون أن يكون مبتذلاً، وقريباً من الناس دون أن يحولهم إلى مادة للسخرية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
الرجل جاء ليزور موريتانيا، فانتهى بنا الأمر ونحن نراجع مفهوم “التأثير” عندنا.
جاء ليكتشف البلد، فاكتشفنا نحن شيئاً عن أنفسنا.
جاء ليصنع محتوى، فصنع لنا فرصة لمراجعة محتوياتنا.
ولذلك ربما يكون من الظلم أن نقول إن العليان “فضح موريتانيا”.
الحقيقة أنه فضح الطريقة التي ننظر بها إلى الشهرة والتأثير.
فالبلد الذي أنجب العلماء والمثقفين وأهل الأدب والفكر، لا يمكن أن تكون أفضل صادراته إلى منصات التواصل مجرد ضجيج إلكتروني.
وموريتانيا التي نملك فيها من القصص الجميلة، والتراث، والعلم، والأخلاق، والوجوه المضيئة، ما يكفي لصناعة آلاف المواد الراقية، لا ينبغي أن تختصر في مقطع تافه أو مشاجرة افتراضية أو “ترند” لا يعيش أكثر من ساعات.
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف كلمة “مؤثر”.
فالمؤثر الحقيقي ليس من يجعل الناس يتحدثون عنه فقط، بل من يجعلهم يفكرون، يتعلمون، يحترمون، ويتغيرون إلى الأفضل.
وشكراً للعليان، ليس لأنه جاء ليقول لنا إن موريتانيا جميلة؛ فهذا يعرفه أهلها.
بل لأنه جعلنا نسأل السؤال الذي تأخرنا كثيراً في طرحه:
ماذا لو كنا نحن الذين نحتاج إلى من يؤثر فينا؟
زر الذهاب إلى الأعلى