ولد اجاي يعترف بالمسؤولية… ثم يعود إلى المنصب: أين تبدأ المحاسبة وأين تنتهي؟
اليوم السابع الموريتاني
حين يقول الوزير الأول المختار ولد اجاي: «ما كان من نقص فتلك مسؤوليتي»، فإنه يضع نفسه، من حيث المبدأ، في قلب المساءلة السياسية، ويقدم إقراراً بأن مسؤولية النواقص في الأداء الحكومي تقع على عاتقه.
لكن السؤال الذي طرحه الهيبة الشيخ سيداتي، مدير وكالة الأخبار المستقلة، يذهب إلى ما هو أبعد من التصريح نفسه: كيف يتحمل الوزير الأول المسؤولية، ثم يعود إلى المنصب ذاته بعد استقالة الحكومة؟
إنه سؤال مشروع في أي نقاش جاد حول المسؤولية السياسية، وحدود الثقة بين المسؤول وصاحب القرار، ومعايير تقييم الأداء الحكومي.
الاعتراف بالمسؤولية ليس نهاية النقاش
في الأنظمة السياسية التي تقوم على مبدأ المساءلة، لا يُفترض أن يكون الاعتراف بالمسؤولية مجرد عبارة تُقال أمام الجمهور، ثم تنتهي مفاعيلها بانتهاء التصريح.
فالمسؤولية السياسية تعني أن يكون المسؤول مستعداً لتقييم حصيلة عمله، وتفسير أوجه القصور، وتقديم ما يثبت قدرته على معالجة الاختلالات.
وعندما يعلن مسؤول حكومي أنه يتحمل مسؤولية النواقص، فإن الرأي العام يصبح من حقه أن يسأل: ما طبيعة هذه النواقص؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت لمعالجتها؟ وهل ترتب على الاعتراف بها أي تغيير في أسلوب التسيير أو آليات الرقابة؟
هذه الأسئلة لا تفترض بالضرورة وجود مخالفة، لكنها تجعل التصريح بداية للنقاش والمحاسبة، لا خاتمة لهما.
استقالة الحكومة… هل تعني المحاسبة؟
استقالة الحكومة لا تعني، في حد ذاتها، أن رئيسها قد أُدين سياسياً أو ثبت فشله في إدارة الشأن العام. فقد تكون الاستقالة إجراءً دستورياً أو سياسياً يتيح إعادة تشكيل الفريق الحكومي، وتجديد الأولويات، وإعادة توزيع المسؤوليات.
غير أن تجديد الثقة في الوزير الأول نفسه يثير سؤالاً آخر: ما الذي يريد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تحقيقه من الإبقاء على المختار ولد اجاي في موقعه؟
هل يتعلق الأمر باستمرار تنفيذ برنامج حكومي قائم؟ أم أن الرئاسة ترى أن ما تحقق يبرر مواصلة النهج نفسه، مع معالجة أوجه القصور؟ أم أن التغيير المطلوب يقتصر أساساً على تشكيلة الحكومة وأعضائها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الاستناد إلى القرارات والتصريحات الرسمية، لا إلى الافتراضات أو تأويل النوايا.
هل يمكن الجمع بين تحمّل المسؤولية وتجديد الثقة؟
من الناحية السياسية، نعم. فإعلان المسؤول تحمّل مسؤولية النواقص لا يفرض تلقائياً إبعاده عن منصبه. وقد يرى صاحب القرار أن الاعتراف بالقصور، والاستعداد لتصحيحه، واستمرار الحاجة إلى الخبرة أو النهج المتبع، مبررات كافية لتجديد الثقة.
لكن هذا الاختيار يظل خاضعاً للتقييم العام، خصوصاً عندما تكون الملفات المطروحة ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش: إذا كان المسؤول يتحمل مسؤولية النواقص، فما الضمانات التي يقدمها لتفادي تكرارها؟ وما الذي سيتغير في المرحلة المقبلة حتى لا يصبح الاعتراف بالمسؤولية عبارة تتكرر من دون أثر ملموس؟
إن تجديد الثقة قرار سياسي، لكنه لا يعفي صاحبه من تقديم النتائج، ولا يعفي المسؤول من إثبات أن المرحلة الجديدة ستختلف، حيثما اقتضت الحاجة، عن المرحلة السابقة.
المواطن يريد نتائج لا عبارات
في موريتانيا، كما في غيرها من الدول، لا يُقاس الأداء الحكومي بالتصريحات وحدها، وإنما بمدى انعكاس السياسات العامة على حياة الناس: تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وضبط الإنفاق، وتطوير المرافق العمومية، وتعزيز الشفافية.
ومن ثم، فإن عودة ولد اجاي إلى منصبه تفتح الباب أمام تقييم جديد لأدائه، على أساس أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بالجدل حول استقالة الحكومة أو إعادة تكليفه.
كما أن الإنصاف يقتضي عدم تحميل الوزير الأول وحده مسؤولية كل أوجه القصور، من دون تحديد اختصاصات القطاعات المعنية، وأدوار الوزراء والإدارات، وحدود الصلاحيات الممنوحة لكل جهة.
فالمساءلة الفعالة لا تقوم على البحث عن شخص واحد لتحميله كل الأخطاء، بل على تحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة كل جهة وفق ما يدخل ضمن اختصاصها.
الخلاصة: من الاعتراف إلى الاختبار
السؤال الذي أثاره الهيبة الشيخ سيداتي لا يتعلق فقط بعودة المختار ولد اجاي إلى منصب الوزير الأول، بل بمعيار أوسع في إدارة الشأن العام: كيف تتحول المسؤولية المعلنة إلى التزام عملي قابل للتقييم؟
قد تكون عودة ولد اجاي تعبيراً عن تجديد الثقة السياسية فيه، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ من الآن، عبر النتائج التي ستقدمها الحكومة الجديدة، ومدى قدرتها على معالجة الاختلالات والاستجابة لتطلعات المواطنين.
فالمسؤولية لا تعني بالضرورة مغادرة المنصب، كما أن تجديد الثقة لا يعني إسقاط حق المجتمع في المساءلة. وبين الأمرين تبقى النتائج هي الفيصل.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الرأي العام: إذا كان ولد اجاي قد أعلن تحمّله مسؤولية النواقص، فما المؤشرات التي ينبغي أن ينتظرها المواطنون للحكم على مدى نجاحه في تصحيحها خلال المرحلة المقبلة؟
اليوم السابع الموريتاني — mauri7.net
زر الذهاب إلى الأعلى