سبتة أمام موجة عبور غير مسبوقة.. عشرات الآلاف يصلون وإسبانيا تستنفر قواتها والمغرب يعلن التعاون
سبتة أمام موجة عبور غير مسبوقة.. عشرات الآلاف يصلون وإسبانيا تستنفر قواتها والمغرب يعلن التعاون

تقرير مفصل نواكشوط اليوم السابع الموريتاني
سبتة أمام موجة عبور غير مسبوقة.. عشرات الآلاف يصلون وإسبانيا تستنفر قواتها والمغرب يعلن التعاون
تعيش مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي للمغرب، واحدة من أخطر أزمات الهجرة في تاريخها، بعد عبور عشرات الآلاف من الأشخاص الحدود انطلاقًا من الأراضي المغربية، خصوصًا عبر شاطئ تاراخال والممرات الساحلية المحاذية للسياج الحدودي.
وتحولت محاولات متفرقة بدأت خلال الأيام الماضية إلى تدفق جماعي واسع منذ فجر الخميس 30 يوليو 2026، شمل شبانًا مغاربة وأشخاصًا من دول أفريقية جنوب الصحراء، إضافة إلى نساء وأطفال. ووصل بعضهم سباحة، بينما التف آخرون حول الحاجز البحري أو عبروا من فتحات وبوابات حدودية عجزت القوات الموجودة في المكان عن السيطرة عليها.
وبحسب آخر تقديرات وزارة الداخلية الإسبانية، دخل نحو 50 ألف شخص إلى سبتة منذ بداية الموجة، فيما تحدث رئيس الحكومة المحلية في المدينة عن رقم يصل إلى 60 ألفًا. وأعلنت مدريد أن قرابة 25 ألفًا عادوا بالفعل إلى المغرب بصورة طوعية، في وقت ما تزال فيه عملية حصر الوافدين والضحايا مستمرة.
حصيلة إنسانية ثقيلة
أخذت الأزمة بعدًا إنسانيًا بالغ الخطورة، بعدما ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 41 شخصًا على الأقل، معظمهم غرقوا أثناء محاولتهم تجاوز الحاجز البحري في منطقة تاراخال سباحة. وتواصل فرق الغوص التابعة للحرس المدني الإسباني عمليات البحث في المياه المحيطة بالحدود، وسط مخاوف من ارتفاع عدد الضحايا.
وأظهرت المشاهد الواردة من المدينة أعدادًا كبيرة من الوافدين في الشوارع والشواطئ والمناطق الجبلية، مع نقص حاد في الغذاء والمأوى. وقال بعض العائدين إنهم قرروا الرجوع إلى المغرب بعدما لم يجدوا مكانًا للنوم أو الطعام داخل سبتة، في ظل تجاوز التدفق قدرة مرافق الاستقبال المحلية.
كيف بدأت الموجة؟
سبقت التدفق الكبير محاولات يومية للعبور سباحة، استفاد أصحابها من الضباب وانخفاض مستوى المراقبة في بعض النقاط الساحلية. ثم شهد فجر الخميس تحرك مجموعات ضخمة نحو مدينة الفنيدق والمناطق القريبة من السياج، قبل أن يبدأ العبور من عدة جهات في وقت متزامن.
وتظهر المعطيات الميدانية أن بعض المجموعات ركضت عبر بوابات الحدود، في حين تسلق آخرون الأسوار أو التفوا عبر البحر حول كاسر الأمواج. وقد أقر ممثلون عن الحرس المدني الإسباني بأن عدد العناصر الموجودة لحظة التدفق لم يكن كافيًا لمراقبة السياج ووقف الحشود.
وفي الجانب المغربي، انتشرت قوات مكافحة الشغب واستخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق تجمعات قرب الحدود، كما شهدت بعض المناطق مواجهات وأعمال تخريب واحتراق حافلة وعدد من السيارات. وبعد تعزيز الانتشار الأمني، تراجع حجم العبور خلال الجمعة، رغم استمرار وجود مجموعات تبحث عن مسارات ساحلية بديلة.
ما الأسباب المحتملة؟
لا يوجد حتى الآن تفسير رسمي واحد يحسم سبب تحول المحاولات الفردية إلى عبور بهذا الحجم. وتطرح السلطات الإسبانية عدة عوامل، أبرزها:
أولًا: حكم قضائي إسباني جديد
ترى الحكومة الإسبانية أن شبكات تهريب البشر استغلت حكمًا أصدرته المحكمة العليا خلال يوليو، يقيد الإعادة الفورية للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عبر البحر دون اقتحام السياج البري. ويعتقد مسؤولون إسبان أن الحكم قُدِّم للمهاجرين بصورة مضللة باعتباره ضمانًا للبقاء داخل الأراضي الإسبانية.
ثانيًا: نشاط شبكات التهريب والشائعات
اتهم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز شبكات الاتجار بالبشر بتنظيم وتحفيز التدفق، مستغلة الشائعات بشأن صعوبة إعادة المهاجرين الذين يصلون سباحة. غير أن بعض المهاجرين الذين تحدثت إليهم وسائل إعلام إسبانية قالوا إنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا عن الحكم القضائي، وهو ما يجعل تأثيره الفعلي محل نقاش.
ثالثًا: دوافع اقتصادية واجتماعية
تظل البطالة وضعف الفرص والرغبة في الوصول إلى أوروبا عوامل أساسية تدفع أعدادًا من الشباب إلى المخاطرة. كما يمنح قرب الفنيدق وبليونش من سبتة انطباعًا بأن الوصول ممكن سباحة أو عبر الالتفاف حول الحواجز الساحلية، رغم خطورة التيارات البحرية.
موقف المغرب: الأزمة غير مرغوبة ونريد عودة العابرين
أكدت السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، أن ما وقع في سبتة «ليس أمرًا يرضي المغرب»، وأن الرباط تريد عودة مواطنيها الذين دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية.
وشددت السفيرة على أن المغرب يفضل هجرة قانونية ومنظمة وآمنة، مشيرة إلى أن الحكومتين المغربية والإسبانية ووزراءهما على اتصال مستمر لحل الأزمة. ويُعد هذا أبرز موقف مغربي علني بشأن التدفق، ويهدف إلى نفي الانطباع بأن الرباط تريد استخدام الهجرة أداة للضغط السياسي على مدريد.
كما أجرى وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت اتصالات مستمرة مع نظيره الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا. واتفق البلدان على تعزيز التنسيق، ومراجعة الإجراءات التي تسمح بإعادة من دخلوا سبتة بصورة غير قانونية في أسرع وقت ممكن.
وأشادت وزارة الداخلية الإسبانية علنًا بما وصفته بـ«التعاون المثالي» مع المغرب، وقالت إن القوات المغربية أحبطت آلاف محاولات الهجرة خلال الأيام الماضية. ويشير هذا الخطاب إلى أن مدريد لا تريد تحميل الرباط رسميًا مسؤولية موجة العبور، رغم الانتقادات الصادرة عن أطراف سياسية وإعلامية إسبانية.
الرد الإسباني: الجيش وتعزيزات أمنية وتسريع الإعادة
دفعت مدريد بتعزيزات أمنية وعسكرية إلى المدينة، وأرسلت نحو 350 عنصرًا إضافيًا من الشرطة الوطنية والحرس المدني، بينهم وحدات لمكافحة الشغب، وفرق لتسجيل هويات الوافدين، وغواصون وطواقم بحرية ومشغلو طائرات مسيرة.
كما أعلنت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس أن نحو ثلاثة آلاف عسكري موجودين في سبتة يمكن وضعهم تحت تصرف السلطات لمساعدة الشرطة والحرس المدني والسكان، بينما انتشرت آليات عسكرية قرب أجزاء من السياج الحدودي.
وزار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز سبتة برفقة وزير الداخلية، ووصف ما وقع بأنه «اعتداء وانتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية»، متعهدًا باستخدام جميع إمكانات الدولة لاستعادة السيطرة وضمان أمن سكان المدينة.
وفي الوقت نفسه، حرص سانشيز على الإشادة بتعاون المغرب، واعتبره شريكًا في مواجهة الأزمة، محملًا شبكات التهريب المسؤولية الأساسية عن التدفق. ويعكس هذا الموقف محاولة الجمع بين إظهار الحزم أمام الرأي العام الإسباني وتجنب تفجر أزمة دبلوماسية جديدة مع الرباط.
وأعلنت الحكومة الإسبانية إجراءات تتضمن:
-
تسريع تسجيل الوافدين ودراسة ملفاتهم تمهيدًا لإعادتهم.
-
تركيب عوامات وحواجز عائمة قرب كاسر أمواج تاراخال.
-
تعزيز المراقبة البحرية والجوية والبرية.
-
منع انتقال الوافدين من سبتة إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
-
التنسيق مع المغرب لإعادة المهاجرين وفق الآليات الثنائية المعمول بها.
انقسام سياسي داخل إسبانيا
أثارت الأزمة مواجهة سياسية حادة في مدريد. فقد وصف حزب «فوكس» اليميني المتشدد ما يجري بأنه «غزو»، واتهم حكومة سانشيز بالفشل في حماية الحدود.
أما الحزب الشعبي المعارض، فطالب بإعلان الوضع قضية تمس الأمن القومي، وتشديد قانون الهجرة بما يسمح بإعادة من يصلون عبر البحر بصورة أسرع. كما انتقد رئيس حكومة سبتة بطء الاستجابة، ووصف الوضع بأنه «غير قابل للاستمرار»، مطالبًا بإعادة الوافدين والحصول على دعم أوروبي واضح.
وتتهم أحزاب اليمين سياسة تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين المقيمين في إسبانيا بأنها أحدثت «عامل جذب»، لكن الحكومة ترفض الربط المباشر بين إجراءات التسوية وما حدث في سبتة، وتؤكد أن الدخول غير النظامي سيقابَل بالإعادة.
شبح أزمة 2021
تعيد التطورات إلى الأذهان أزمة مايو 2021، عندما دخل نحو ثمانية آلاف شخص إلى سبتة خلال يومين، وسط خلاف دبلوماسي حاد بسبب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج.
لكن الفارق في الأزمة الحالية أن الحكومتين المغربية والإسبانية تتبادلان رسائل التعاون، ولا توجد حتى الآن مواجهة دبلوماسية علنية بينهما. كما أن عدد العابرين هذه المرة يفوق بصورة كبيرة ما سجل خلال أزمة 2021.
وتبقى مسألة السيادة خلفية دائمة للتوتر؛ فإسبانيا تعتبر سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين، بينما لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليهما ويعدهما من الأراضي المغربية المحتلة.
إلى أين تتجه الأزمة؟
تشير عودة نحو نصف الوافدين إلى المغرب وتشديد الانتشار الأمني على الجانبين إلى أن ذروة العبور قد تكون بدأت في التراجع، لكن الأزمة لم تنتهِ بعد. فما تزال مجموعات موجودة قرب الحدود، كما امتدت محاولات العبور إلى مليلية، حيث أعلنت السلطات الإسبانية دخول نحو 130 شخصًا، بينهم عدد مهم من القاصرين.
وسيتوقف مسار الأزمة خلال الساعات والأيام المقبلة على أربعة عوامل رئيسية: قدرة المغرب على منع تجمعات جديدة قرب الحدود، وسرعة إعادة الموجودين داخل سبتة، وكيفية تطبيق الحكم القضائي الإسباني، وقدرة السلطات على معالجة الوضع الإنساني دون استخدام القوة بصورة تعرض حياة المهاجرين للخطر.
سياسيًا، يبدو الطرفان حريصين على حماية الشراكة الأمنية بينهما. لكن حجم التدفق وعدد الضحايا والاتهامات المتبادلة داخل الساحة الإسبانية قد تجعل ملف سبتة والهجرة أحد أبرز اختبارات العلاقات المغربية الإسبانية خلال المرحلة المقبلة.



