من تعزيز التنوع إلى إدارة التنوع/ محمد أفو
(قراءة في مراحل المشروع الاجتماعي للرئيس غزواني)
يمثل الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني اليوم في افتتاح المؤتمر الدولي للسيرة النبوية محطة مفصلية تستدعي قراءة جديدة في تحولات الخطاب السياسي الرسمي في موريتانيا؛ إذ لا يمكن التعامل مع هذا الخطاب بوصفه تكراراً للمضامين المألوفة، بل هو مؤشر على انتقال بنيوي حاسم من حيز “الخطاب الإصلاحي التأسيسي” الذي طبع محطات وادان، وتيشيت، ونداء جول، إلى حيز “الطرح الاستراتيجي” المؤسس لسلوك رسمي واجتماعي جديد يُعبر عنه بمفهوم “إدارة التنوع”.
هذا الانتقال يشي بأن مشروع الرئيس تم تصميمه بشكل كامل في مرحلة سابقة وحددت محطات تنفيذه بطريقة تصاعدية تكاملية (تؤسس كل منها الأخرى).
كما يعكس نضج مقاربته وتحولها من مرحلة التشخيص والاعتراف بالخلل، إلى مرحلة المقاربة الاستراتيجية من خلال آليات الدولة و الإدارة المؤسسية والمستدامة للتعددية الوطنية.
لقد تميزت المحطات السابقة (وادان، تيشيت، جول) بطابعها الإصلاحي الجريء، حيث شكلت في حينها صدمة إيجابية للمخيال الجمعي والممارسة السياسية التقليدية. كان الإنجاز الأكبر لتلك الخطابات هو تكريس “الاعتراف الرسمي” بوجود أزمات هيكلية في البنية الاجتماعية، ونقل قضايا التراتبية الفئوية، والمظالم التاريخية، والإرث الإنساني، من حيز “المحذور والمسكوت عنه” في أدبيات الخطاب الرسمي ، إلى حيز “المعالجة والاعتراف والمكاشفة”. في تلك المرحلة، كان الهاجس الأساسي للرئيس في هو كسر جدار الصمت، وإعطاء شرعية سياسية وقانونية للحديث عن الاختلالات الاجتماعية، ممهداً الطريق لبرامج تنموية استعجالية واستراتيجية تهدف لتحقيق العدالة والإنصاف ، ( مشاريع مكافحة الفقر والإقصاء الموجهة للفئات الهشة) .
أما خطاب اليوم ، فقد مثل تحولا منطقيا نحو “المأسسة الفكرية والسياسية”؛ إذ لم يعد الهدف هو مجرد التنديد بالعصبيات أو الاعتراف بالمظالم، بل صياغة إطار استراتيجي كلي تحت عنوان “إدارة التنوع وتسيير الاختلاف”.
ينقل الرئيس المسألة هنا من طابعها الأخلاقي أو الحقوقي الصرف إلى طابعها الإداري والحوكمي؛ فالتنوع لم يعد مشكلة تتطلب الحل أو الاعتراف فحسب، بل بات معطى بنيوياً دائمًا وثروة وطنية تحتاج إلى “حسن تدبير” عبر مسارات واعية وقوانين نافذة وسياسات عمومية مستقرة.
هذا الطرح الاستراتيجي يعيد تعريف دور الدولة، ليس كأداة لفرض التجانس القسري، بل كمنظم عادل للتعددية يحمي الولاء للوطن دون إلغاء الخصوصيات الثقافية واللسانية.
ويتضح هذا الانتقال في الخطاب من خلال الربط المحكم بين قيم السيرة النبوية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالنموذج النبوي لا يستدعى هنا لشرعنة فضيلة الإنصاف نظرياً، وهي المرحلة التي استنفدت أغراضها التأسيسية في وادان وجول، وإنما يستدعى لتقديم “صيغة عملية” لكيفية تحويل تلك القيم إلى سلوك رسمي واجتماعي دائم، وإلى “روح نابضة في المؤسسات وفي مختلف أنماط تدبير الشأن العام”.
إن الانتقال إلى مفهوم الإدارة والتسيير يعني أن العدالة الاجتماعية واللحمة الوطنية قد تحولتا في الفلسفة الرسمية إلى عقيدة سياسية و موجه ثابت و ملزم لكل خطط التنمية ومؤسسات الدولة وتفاعلات المجتمع.
بناءً على ذلك، تكتسب البرامج التنموية والاجتماعية المطبقة على الأرض مشروعية جديدة تتجاوز مفهوم الإغاثة أو المساعدة الاجتماعية العابرة؛ إذ تصبح هذه البرامج أدوات تنفيذية ضمن رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تجفيف المنابع المادية للإقصاء والشعور بالغبن. التنمية، في هذا السياق، هي الرافعة الهيكلية التي تسند عملية “إدارة التنوع”، من خلال خلق أرضية اقتصادية واجتماعية صلبة يتساوى فوقها الجميع في الحقوق والفرص. ومن ثم، فإن هذا التطور الفكري يهدف في النهاية إلى بناء مجتمع متصالح مع ذاته، يتجاوز منطق التسيير اليومي للأزمات نحو صياغة عقد اجتماعي حديث، تتقدم فيه المواطنة واعتبار المشتركات الجامعة كأولوية مطلقة، ويتحول فيه التنوع من مكمن خطر مفترض إلى مصدر رئيسي للقوة والتكامل والنماء.