المأمورية الثالثة تعود من بوابة الاستقرار.. تغييرٌ أم التفافٌ على الدستور؟المأمورية الثالثة تعود من بوابة الاستقرار.. تغييرٌ أم التفافٌ على الدستور؟
التغيير في ظل الاستقرار.. المأمورية الثالثة حقٌّ يُراد به باطل
اليوم السابع الموريتاني – تقرير
تعود إلى الواجهة في موريتانيا، بين الحين والآخر، الدعوات المطالبة بفتح الباب أمام مأمورية رئاسية ثالثة، تحت عناوين متعددة من قبيل «الحفاظ على الاستقرار» و«استمرار الإنجازات» و«التغيير في ظل الاستقرار».
وبينما يرى أصحاب هذا الطرح أن استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في السلطة قد يضمن مواصلة ما تحقق خلال السنوات الماضية، يذهب منتقدون إلى أن الاستقرار لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز القواعد الدستورية أو إعادة تعريفها وفقاً للظرف السياسي.
الاستقرار ليس مرادفاً لبقاء الأشخاص
لا خلاف على أن الاستقرار السياسي يمثل حاجة أساسية لأي دولة، خصوصاً في منطقة تواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متزايدة.
لكن الاستقرار، في جوهره، لا يعني بالضرورة استمرار شخص واحد في الحكم، بل يعني قدرة المؤسسات على العمل، واحترام الدستور، وضمان التداول السلمي على السلطة، وطمأنة المواطنين إلى أن قواعد اللعبة السياسية لا تتغير كلما اقترب موعد الانتخابات.
ومن هنا يبرز السؤال: هل يكون الحفاظ على الاستقرار عبر تمديد بقاء الأشخاص، أم عبر ترسيخ مؤسسات قادرة على ضمان الاستقرار مهما تغيرت القيادات؟
الإنجازات لا تلغي الدستور
يقر كثير من المراقبين بأن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حقق خلال مأموريتين جملة من الإنجازات، خاصة في المجال الاجتماعي، وتعزيز حضور موريتانيا إقليمياً ودولياً، إلى جانب سياسات استهدفت توسيع برامج الدعم وتحسين ظروف الفئات الهشة.
غير أن تقييم الحصيلة السياسية أو التنموية لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتجاوز النص الدستوري.
فالرئيس، مهما كانت شعبيته أو حجم إنجازاته، يظل محكوماً بالدستور الذي يحدد قواعد ممارسة السلطة ومددها. كما أن الدفاع عن الإنجازات يمكن أن يكون عبر المؤسسات والسياسات والبرامج، وليس بالضرورة عبر تمديد ولاية صاحبها.
«التغيير في ظل الاستقرار».. من يملك تعريفه؟
يرفع أنصار المأمورية الثالثة شعار «التغيير في ظل الاستقرار»، وهي عبارة تبدو جذابة سياسياً، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً أعمق حول معنى التغيير نفسه.
فإذا كان المقصود بالتغيير هو تحسين الأداء الحكومي، وتجديد النخب، ومحاربة الفساد، وتطوير الإدارة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإن ذلك يمكن أن يتحقق دون المساس بقاعدة التداول السياسي.
أما إذا أصبح «التغيير» يعني تعديل قواعد دستورية ثابتة حتى تسمح ببقاء الرئيس في السلطة، فإن الأمر يتحول من تغيير في السياسات إلى تغيير في قواعد اللعبة.
وهنا يصبح الشعار، في نظر منتقديه، وسيلة لتسويق فكرة سياسية أكثر منه تعبيراً عن حاجة وطنية حقيقية.
حقٌّ يُراد به باطل؟
قد يقدم المطالبون بالمأمورية الثالثة حججاً تبدو في ظاهرها منطقية: الاستقرار، استكمال المشاريع، حماية المكتسبات، ومواصلة الإصلاحات.
لكن الإشكال لا يكمن دائماً في الشعارات المعلنة، وإنما في النتائج التي قد تترتب عليها.
فإذا كان الدفاع عن الاستقرار سيقود إلى إضعاف مبدأ التداول السلمي على السلطة، وإذا كان الحفاظ على الإنجازات سيُستخدم لتبرير تجاوز الحدود الدستورية، فإن «الحق» المعلن قد يتحول إلى وسيلة للوصول إلى غاية أخرى.
وهنا تحديداً تبرز عبارة «حقٌّ يُراد به باطل»، لا باعتبارها حكماً على النوايا، وإنما باعتبارها تحذيراً من استخدام مطالب تبدو مشروعة في ظاهرها لتبرير مسار سياسي قد تكون له تداعيات أوسع على النظام الدستوري.
موريتانيا بحاجة إلى استقرار المؤسسات
المسألة في النهاية لا تتعلق بشخص الرئيس وحده، ولا بمؤيديه أو معارضيه، وإنما بمستقبل القاعدة السياسية التي تحكم البلاد.
فالدولة التي تريد بناء ديمقراطية مستقرة تحتاج إلى أن يكون احترام الدستور أقوى من الرغبة في استمرار أي مسؤول، مهما كانت مكانته أو إنجازاته.
كما أن نجاح أي رئيس في مأموريتين ينبغي أن يكون مدخلاً لترك إرث سياسي ومؤسسي مستدام، لا سبباً لإعادة فتح الباب أمام تمديد الحكم.
وتبقى موريتانيا، وهي تستعد تدريجياً لمرحلة سياسية جديدة، أمام اختبار مهم: هل تستطيع أن تجعل من الاستقرار جسراً نحو انتقال سياسي منظم، أم ستسمح لشعارات الاستقرار باستدعاء جدل المأمورية الثالثة مجدداً؟
الخلاصة
إن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بمدة بقاء الحاكم، وإنما بقوة المؤسسات واحترام الدستور وقدرة الدولة على ضمان انتقال السلطة بسلاسة.
أما الإنجازات، مهما كانت أهميتها، فإن أفضل طريقة للحفاظ عليها ليست بالضرورة إبقاء أصحابها في السلطة، بل تحويلها إلى سياسات ومؤسسات ومشاريع تستمر بعد رحيل أصحابها.
وفي موريتانيا اليوم، ربما يكون التحدي الأكبر هو صناعة استقرار لا يعتمد على الأشخاص، وتغيير لا يهدم المؤسسات، وديمقراطية لا تجعل الدستور رهينة للظروف السياسية.
زر الذهاب إلى الأعلى