حرائق محطات الكهرباء في نواكشوط.. صدفة تقنية أم إنذار بانهيار الشبكة؟
تحقيق صحفي – اليوم السابع الموريتاني
لم تعد حرائق محطات الكهرباء في نواكشوط مجرد حوادث تقنية عابرة. فحين تشتعل محطة بعد أخرى خلال فترة زمنية قصيرة، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام أعطال منفصلة، أم أن هناك خللاً أعمق في منظومة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء؟
المعلومات الرسمية المتاحة حتى الآن لا تسمح بالجزم بسبب محدد للحرائق، كما لم يصدر تقرير فني نهائي يحدد المسؤوليات. ولذلك فإن أي حديث عن الإهمال أو سوء الصيانة أو فساد الصفقات يجب أن يبقى في إطار الفرضيات التي تحتاج إلى أدلة.
المحول.. نقطة الخطر
محطات التحويل التي تنقل الكهرباء من جهد إلى آخر تحتوي على معدات شديدة الحساسية، بينها المحولات والقواطع والكابلات وأنظمة الحماية.
وفي حال حدوث قصر كهربائي أو عطل داخلي في المحول، يمكن أن ترتفع الحرارة بصورة مفاجئة، وقد يؤدي ذلك إلى اشتعال الزيت العازل الموجود في بعض أنواع المحولات.
لكن المشكلة لا تكمن دائماً في حدوث العطل نفسه؛ فالمعيار الأهم هو: هل عملت أنظمة الحماية والقواطع في الوقت المناسب لعزل العطل؟
إذا فشلت الحماية أو تأخرت، يمكن أن تتضاعف الأضرار خلال ثوانٍ.
هل الأحمال المرتفعة سبب محتمل؟
مع ارتفاع استهلاك الكهرباء، خصوصاً خلال فترات الحرارة الشديدة، تتعرض الشبكة لضغط أكبر.
لكن ارتفاع الأحمال وحده لا يعني بالضرورة وقوع حريق. فالمنظومة المصممة بصورة سليمة يفترض أن تحتوي على هامش أمان وحمايات قادرة على فصل المعدات عند تجاوز الحدود الحرارية أو الكهربائية.
وهنا يظهر سؤال مهم:
هل كانت المحطات تعمل ضمن طاقتها التصميمية، أم أن بعض المعدات كانت تعمل بصورة مستمرة تحت أحمال تفوق قدرتها؟
الإجابة يجب أن تكون في سجلات الأحمال وتقارير التشغيل، لا في التصريحات السياسية.
وماذا عن الصيانة؟
الصيانة الوقائية هي خط الدفاع الأول في مثل هذه المنشآت.
فحص درجة حرارة المحولات، مستوى الزيت، العوازل، الكابلات، القواطع، المرحلات وأنظمة الحماية يمكن أن يكشف كثيراً من الأعطال قبل تحولها إلى كارثة.
ولهذا فإن التحقيق الحقيقي يجب أن يبحث في:
متى كانت آخر صيانة للمحطة؟
من قام بها؟
ما الأعطال التي سجلتها المحطة خلال الأشهر الماضية؟
هل كانت هناك توصيات فنية لم تنفذ؟
هل تم تغيير قطع غيار أساسية في موعدها؟
وهل كانت أنظمة الحماية والقواطع تعمل بصورة سليمة لحظة الحريق؟
السؤال الأكثر حساسية: هل الحريقان مرتبطان؟
وقوع حريقين في منشأتين كهربائيتين خلال فترة قصيرة لا يكفي لإثبات وجود رابط بينهما.
لكن التزامن يستحق التحقيق.
فإذا كانت المحطتان تستخدمان معدات متشابهة، أو خضعتا لنفس عقود الصيانة، أو واجهتا ظروف تشغيل متقاربة، فقد يصبح من الضروري فحص احتمال وجود عامل مشترك.
أما إذا اختلفت طبيعة المعدات والأعطال ومكان بداية الحريق، فقد يكون الأمر مجرد حادثين منفصلين.
لماذا نحتاج إلى تقرير فني مستقل؟
لأن البيانات المتداولة لا تجيب عن الأسئلة الأساسية.
المطلوب ليس فقط معرفة أين اندلع الحريق، وإنما تحديد:
أين بدأت الشرارة؟
هل بدأت داخل المحول؟
أم في كابل؟
أم في قاطع؟
أم بسبب قصر كهربائي؟
وهل كانت الحماية تعمل؟
وهل كانت المعدات تخضع للصيانة الدورية؟
وهل كان الحريق نتيجة عطل كهربائي أم ارتفاع حرارة أم سبب خارجي؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالتصريحات العامة، وإنما تحتاج إلى خبرة هندسية وتحقيق فني مستقل.
من المسؤول إذا ثبت وجود تقصير؟
إذا أثبت التحقيق أن السبب يعود إلى عيب في المعدات، فإن المسؤولية تختلف عن حالة ثبوت إهمال في الصيانة.
أما إذا تبين أن هناك تحذيرات فنية سابقة لم تتم معالجتها، أو أن معدات تجاوزت عمرها التشغيلي دون استبدال، أو أن إجراءات السلامة لم تطبق، فحينها يصبح الملف أكبر من مجرد «حريق عرضي».
وقد يتحول إلى قضية تتعلق بالمسؤولية الإدارية والمالية وربما الجنائية بحسب ما تثبته التحقيقات.
أسئلة إلى صوملك ووزارة الطاقة
الرأي العام الموريتاني يحتاج إلى إجابات واضحة:
1. ما السبب الفني الأولي لكل حريق؟
2. هل كانت المحولات والقواطع وأنظمة الحماية تخضع للصيانة الدورية؟
3. متى أجريت آخر صيانة للمحطتين؟
4. هل سجلت المحطتان أعطالاً أو ارتفاعاً غير طبيعي في الأحمال قبل الحريق؟
5. هل توجد علاقة بين المعدات أو الشركات التي قامت بالصيانة في المحطتين؟
6. هل تم حفظ معدات الحماية والمرحلات وسجلات التشغيل لفحصها؟
7. هل ستُنشر نتائج التحقيق الفني أمام الرأي العام؟
الخلاصة
حرائق محطات الكهرباء ليست مجرد مشكلة انقطاع تيار.
إنها اختبار حقيقي لسلامة البنية التحتية الكهربائية في العاصمة.
والتعامل معها بمنطق «حادث وانتهى» قد يكون أخطر من الحريق نفسه.
فالخسارة الحقيقية ليست في محول احترق، وإنما في أن تتكرر الحوادث دون معرفة أسبابها، ودون معالجة جذورها.
لذلك فإن المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات، وإنما تحقيق فني شفاف ومستقل، ونشر نتائجه للرأي العام.
فإذا كانت الحرائق مجرد أعطال عرضية، فالتقرير الفني سيقول ذلك.
وإذا كانت وراءها مشاكل صيانة أو تجهيز أو تشغيل، فالتقرير أيضاً يجب أن يكشفها.
فالأسلاك لا تتحدث، والمحولات لا تكتب التقارير.. لكن آثار الحريق تستطيع أن تقول الكثير، إذا وجد من يقرأها.
اليوم السابع الموريتاني
زر الذهاب إلى الأعلى