آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة

موريتانيا لا ينقصها الرجال.. ينقصها مشروع النخبة

موريتانيا لا ينقصها الرجال.. ينقصها مشروع النخبة

موريتانيا لا ينقصها الرجال.. ينقصها مشروع النخبة

افتتاحية ـ اليوم السابع الموريتاني

في موريتانيا، لا تبدو أزمة الدولة دائماً في نقص الموارد، ولا في غياب الكفاءات، ولا حتى في ضعف الإمكانات. الأزمة الأعمق تكمن في مكان آخر: في النخبة التي تصنع القرار، وفي الطريقة التي تُدار بها الدولة، وفي غياب مشروع واضح يتجاوز الأشخاص والمراحل الانتخابية.
فموريتانيا بلد صغير بعدد سكانه، لكنه غني بالكفاءات والطاقات البشرية. وفي كل جيل يظهر أطباء ومهندسون واقتصاديون وأساتذة ودبلوماسيون وإداريون وصحفيون ومثقفون قادرون على صناعة الفرق.
لكن السؤال الذي لا يريد كثيرون طرحه هو:
لماذا لا تتحول هذه الكفاءات إلى قوة حقيقية لبناء الدولة؟
هنا تبدأ المشكلة.
نخبة تتغير مواقعها ولا تتغير قواعد اللعبة
منذ الاستقلال، تعاقبت حكومات ووزراء وأحزاب وقيادات، لكن كثيراً من قواعد اللعبة بقيت كما هي.
يتغير الأشخاص، بينما تبقى شبكات النفوذ.
تتغير الشعارات، بينما تستمر عقلية الولاء.
وتتغير الحكومات، بينما تظل الكفاءة في كثير من الأحيان أسيرة القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
وهكذا أصبحت السياسة بالنسبة إلى جزء من النخبة وسيلة للصعود الاجتماعي والاقتصادي، بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة مشروع وطني.
ليس عيباً أن يسعى السياسي إلى السلطة؛ فالسلطة في الديمقراطية وسيلة لتنفيذ البرامج. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح السلطة هي البرنامج نفسه.
أين اختفت نخبة الدولة؟
النخبة التي تحتاجها موريتانيا ليست نخبة تعرف كيف تصل إلى المناصب، بل نخبة تعرف ماذا تفعل عندما تصل إليها.
نحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يقول: لا، عندما تكون “نعم” مضرة بالدولة.
نحتاج إلى برلماني يراقب الحكومة حتى لو كان من الأغلبية.
نحتاج إلى معارض ينتقد دون أن يتحول نقده إلى هدم.
نحتاج إلى موظف يضع القانون فوق التعليمات الشخصية.
ونحتاج إلى مثقف لا يبيع قلمه مقابل منصب أو امتياز.
هذه هي نخبة الدولة.
أما النخبة التي تتحرك وفق اتجاه الريح السياسية، فهي قد تنجح في المحافظة على مواقعها، لكنها لا تستطيع بناء دولة قوية.
القبيلة والحزب والعلاقات الشخصية
لا يمكن الحديث بجدية عن أزمة النخبة الموريتانية دون التطرق إلى تأثير العلاقات الاجتماعية والقبلية والحزبية والشخصية في المجال العام.
فالقبيلة ليست مشكلة في حد ذاتها؛ فهي جزء من النسيج الاجتماعي الموريتاني. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل من المجال الاجتماعي إلى مؤسسات الدولة، وعندما يصبح الانتماء أو القرب معياراً للتوظيف أو التعيين أو النفوذ.
وعندما يحدث ذلك، تصبح الدولة أقل قدرة على مكافأة الكفاءة، وأكثر قابلية لإنتاج الولاءات.
وهنا ندخل في دائرة خطيرة:
الولاء ينتج منصباً، والمنصب ينتج نفوذاً، والنفوذ ينتج ولاءً جديداً.
وفي النهاية تضيق المساحة أمام الكفاءة المستقلة.
أزمة النخبة أخطر من أزمة الحكومة
الحكومات تتغير.
الوزراء يتغيرون.
البرلمانات تتغير.
حتى الأحزاب يمكن أن تختفي وتظهر أخرى.
لكن الثقافة التي تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع لا تتغير بسهولة.
ولهذا فإن إصلاح موريتانيا لا يمكن أن يكون مجرد تغيير حكومة أو وزير أو مدير.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتغير قواعد إنتاج النخبة نفسها.
عندما يصبح الوصول إلى المسؤولية مرتبطاً بالقدرة والنزاهة والخبرة، وليس فقط بالعلاقات.
وعندما يصبح المسؤول خائفاً من القانون أكثر من خوفه من فقدان رضا السياسي.
وعندما تصبح الرقابة وظيفة دستورية وليست خصومة شخصية.
الشباب.. النخبة التي لم تُمنح فرصتها
المفارقة أن موريتانيا تمتلك جيلاً جديداً أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر اطلاعاً على تجارب الدول الأخرى، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
لكن هذا الجيل لا يزال يجد أبواباً كثيرة مغلقة أمامه.
إذا ظلت المناصب والفرص محصورة في الدوائر نفسها، فإن الدولة ستخسر أهم مورد لديها: الطاقات البشرية.
فالدول لا تبنى فقط بالحديد والإسمنت والمشاريع، وإنما بالعقول التي تخطط، والضمائر التي تراقب، والكفاءات التي تنفذ.
من المسؤول؟
ليس من السهل تحميل الحكومة وحدها مسؤولية أزمة النخبة.
المسؤولية مشتركة.
الحكومة مسؤولة عن فتح المجال للكفاءة.
والأحزاب مسؤولة عن إنتاج قيادات حقيقية.
والبرلمان مسؤول عن الرقابة.
والجامعات مسؤولة عن إنتاج المعرفة.
والإعلام مسؤول عن كشف الخلل بدل صناعة التلميع.
والنخبة نفسها مسؤولة قبل الجميع، لأنها مطالبة بأن تختار بين أن تكون جزءاً من مشكلة الدولة أو جزءاً من حلها.
موريتانيا تحتاج إلى عقد جديد بين النخبة والدولة
المطلوب ليس ثورة على الأشخاص، وإنما ثورة على طريقة التفكير.
نحتاج إلى الانتقال من:
“من تعرف؟” إلى “ماذا تستطيع أن تفعل؟”
ومن:
“إلى أي جهة تنتمي؟” إلى “ماذا قدمت؟”
ومن:
“من يضمنك؟” إلى “ماذا يقول القانون عنك؟”
ومن:
“ماذا سأحصل عليه؟” إلى “ماذا سأضيف إلى الدولة؟”
ذلك هو التغيير الحقيقي.
فموريتانيا لا ينقصها الرجال، ولا النساء، ولا الكفاءات، ولا الموارد.
ما ينقصها هو أن تتقدم الكفاءة على الولاء، وأن تتقدم الدولة على الأشخاص، وأن تتحول النخبة من طبقة تبحث عن موقع داخل الدولة إلى طبقة تعمل من أجل بناء الدولة.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأصعب:
هل تستطيع النخبة الموريتانية أن تتغير قبل أن تضطر الدولة إلى تغييرها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى