آراءأخبار وطنيةاخبار الولاياتثقافةمقالاتولنا كلمة
مفوضية الأمن الغذائي في موريتانيا.. أموال الجوعى بين اختلالات التسيير وأسئلة المساءلة
مفوضية الأمن الغذائي في موريتانيا.. أموال الجوعى بين اختلالات التسيير وأسئلة المساءلة

مفوضية الأمن الغذائي في موريتانيا.. أموال الجوعى بين اختلالات التسيير وأسئلة المساءلة
اليوم السابع الموريتاني
في بلد لا تزال فيه أسر عديدة تكافح من أجل توفير قوت يومها، يفترض أن تكون مفوضية الأمن الغذائي إحدى أهم مؤسسات الدولة في حماية الفئات الهشة، وتوفير المساعدات الغذائية، والتدخل في أوقات الأزمات. لكن حين تكشف تقارير الرقابة عن اختلالات في تسيير المخزون وتوزيع المساعدات وإبرام الصفقات، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: أين تذهب الموارد المخصصة لمكافحة الجوع؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات التي رصدتها أجهزة الرقابة؟
القضية هنا ليست مجرد أرقام في تقرير إداري، بل تتعلق بأموال عامة ومواد غذائية يفترض أن تصل إلى مستحقيها، في وقت تمثل فيه المساعدات بالنسبة إلى بعض الأسر الفقيرة فارقًا حقيقيًا بين الحاجة والحد الأدنى من الاستقرار.
تقرير محكمة الحسابات.. ملاحظات تستدعي المساءلة
تضمن التقرير العام لمحكمة الحسابات الموريتانية عن الفترة 2019–2021 ملاحظات مهمة بشأن تسيير مفوضية الأمن الغذائي، وفق ما نشرته وسائل إعلام موريتانية استنادًا إلى التقرير.
ومن أبرز ما أثير وجود مخزون بلغ نحو 432.9 طنًا من المواد الغذائية التالفة وغير الصالحة للاستهلاك البشري. ووفق التفاصيل المنشورة، جرى تصنيف 67.45 طنًا منها صالحة للاستهلاك الحيواني وبيعها، بينما أُتلفت 365.45 طنًا أخرى، وقدرت الخسائر المرتبطة بهذه المواد بنحو 3.77 مليون أوقية جديدة.
هذه الأرقام تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف وصلت كميات من المواد الغذائية إلى مرحلة التلف؟ وهل كانت هناك آليات فعالة لمراقبة المخازن، ومتابعة تواريخ الصلاحية، وضمان تدوير المخزون قبل أن يتحول إلى خسارة للمال العام؟
إن تلف المواد الغذائية لا يعني تلقائيًا وجود اختلاس أو فساد جنائي، لكنه قد يكشف عن قصور في الإدارة والرقابة يستوجب تحديد المسؤوليات، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تجنب الخسائر.
مساعدات غذائية.. من يحدد المستفيدين؟
أثارت الملاحظات المنشورة بشأن توزيع المساعدات الغذائية على بعض الجمعيات والمنظمات أسئلة حول معايير منح تلك المساعدات ومدى متابعة استخدامها.
وبحسب المعطيات المنشورة عن التقرير، وزعت المفوضية 324.3 طنًا من المواد الغذائية سنة 2018، و262.755 طنًا سنة 2019، لصالح بعض الجمعيات والمنظمات، بقيمة إجمالية بلغت نحو 6.44 ملايين أوقية جديدة. وأشير إلى عدم مطالبة بعض الجهات المستفيدة بتقارير تتيح التحقق من الاستخدام الفعلي للمواد الممنوحة.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما المعايير التي تحدد الجمعيات المستفيدة؟ وهل توجد سجلات واضحة بالكميات التي تسلمتها كل جهة؟ وهل تصل تلك المواد فعلًا إلى الفقراء الذين منحت باسمهم؟
إن غياب المتابعة الكافية، إذا تأكد، يضعف الشفافية ويجعل من الصعب التأكد من أن الدعم العام حقق الغرض الاجتماعي الذي خصص له.
الصفقات العمومية.. هل كانت المنافسة كافية؟
أثارت الملاحظات المتعلقة باللجوء إلى بعض الصفقات بالتراضي، وما قد ينجم عنها من تكاليف إضافية، ملفًا آخر يستحق التدقيق.
فشراء كميات كبيرة من الأرز والزيوت والسكر والمواد الأساسية يحتاج إلى منافسة حقيقية، وأسعار قابلة للمقارنة، وشروط تعاقد واضحة، ومراقبة دقيقة لجودة السلع ومواعيد تسليمها.
والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات المختصة هو: هل كانت الصفقات تحقق أفضل قيمة ممكنة مقابل المال العام؟ وهل احترمت الإجراءات القانونية في جميع مراحلها؟
ولا يجوز اعتبار كل صفقة بالتراضي فسادًا في حد ذاتها؛ فالحكم يتوقف على ظروف التعاقد، ومشروعيته، والأسعار، والوثائق، وما إذا كانت هناك مخالفات مثبتة.
التوظيف والتدقيق الداخلي.. ثغرات لا ينبغي تجاهلها
تناولت الملاحظات المنشورة كذلك اختلالات في التدقيق الداخلي، وإدارة المخزون، وبعض إجراءات الاكتتاب والتسيير.
ومثل هذه الاختلالات، إن لم تعالج، قد تفتح المجال أمام سوء استخدام الموارد، وتضعف قدرة المؤسسة على اكتشاف الأخطاء مبكرًا، كما تجعل من الصعب تحديد المسؤولية عن الخسائر أو التجاوزات.
لكن المطلوب ليس الاكتفاء بتسجيل الملاحظات، بل معرفة ما إذا كانت المفوضية قد وضعت خطة لتصحيحها، وما إذا كانت التوصيات قد نفذت، وما إذا تمت إحالة أي وقائع تستدعي التحقيق إلى الجهات المختصة.
ميزانية 2026.. لماذا تظل الرقابة ضرورية؟
بحسب الموقع الرسمي لمفوضية الأمن الغذائي، ناقشت لجنة المالية بالجمعية الوطنية مشروع ميزانية المفوضية لسنة 2026، البالغة نحو 1.170 مليار أوقية جديدة، متضمنة مخصصات الصندوق الوطني للاستجابة للأزمات الغذائية والتغذوية.
كما نشر الموقع أن مجلس رقابة المفوضية صادق على مشروع ميزانية للمفوضية بقيمة تقارب 714.7 مليون أوقية جديدة. ويبدو أن الرقمين يتعلقان بنطاقين مختلفين من المخصصات أو بمرحلتين مختلفتين من إعداد الميزانية، ولذلك ينبغي الرجوع إلى وثائق الميزانية المعتمدة لتحديد الفروق بدقة.
وفي جميع الأحوال، فإن وجود مجلس رقابة ومناقشة الميزانية داخل البرلمان لا يغنيان عن نشر بيانات واضحة بشأن الإنفاق الفعلي، والصفقات، والمخزون، والكميات الموزعة، والنتائج المحققة.
فالميزانية ليست مجرد اعتمادات مالية، بل التزام بتحقيق أهداف اجتماعية ينبغي قياسها والتحقق منها.
من يحاسب؟ وما الذي يجب أن يحدث؟
إن الملاحظات الرقابية المنشورة لا تبرر إطلاق أحكام جنائية على المفوضية أو مسؤوليها دون أدلة، لكنها تبرر المطالبة بإجابات رسمية وواضحة.
ومن الضروري نشر ما أمكن من نتائج متابعة توصيات محكمة الحسابات، وإجراء مراجعة حديثة للمخزون والصفقات والتوزيعات الغذائية، والتحقق من تنفيذ العقود، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن مخالفات وفق القانون.
كما ينبغي تمكين البرلمان وأجهزة الرقابة من متابعة مدى وصول المساعدات إلى مستحقيها، مع توفير آلية تتيح للمواطنين والجمعيات الإبلاغ عن أي تجاوزات مدعومة بالأدلة.
الخلاصة: أموال الفقراء ليست مجالًا للتهاون
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مؤسسة مكلفة بمكافحة الجوع ليس مجرد خسارة كمية من المواد الغذائية، بل أن تتحول الملاحظات الرقابية إلى أرقام قديمة لا يعقبها تصحيح أو مساءلة.
فالمساعدات الغذائية ليست امتيازًا تمنحه الإدارة لمن تشاء، بل أداة من أدوات السياسة الاجتماعية، وحق للفئات التي تستهدفها البرامج العامة وفق المعايير المعتمدة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحًا أمام الحكومة والبرلمان وأجهزة الرقابة هو: ماذا تغير بعد تقرير محكمة الحسابات؟ وهل عولجت الاختلالات، واستعيد ما أمكن من حقوق المال العام، ووصل الدعم إلى مستحقيه؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق إجابات موثقة، بعيدًا عن التبرير المسبق أو الاتهام المجرد.
المصادر:
-
محكمة الحسابات الموريتانية، التقرير العام السنوي للفترة 2019–2021: https://www.courdescomptes.mr/ar/node/2624
-
موقع مفوضية الأمن الغذائي، مناقشة مشروع ميزانية 2026: https://www.csa.gov.mr/node/1894
-
موقع مفوضية الأمن الغذائي، اجتماع مجلس الرقابة: https://www.csa.gov.mr/node/1910
-
صحيفة Le Calame، قراءة في ملاحظات تقرير محكمة الحسابات حول المفوضية: https://www.cridem.org/C_InfoCon.php?article=17641



